الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢١٣

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

213

وقال أيضا: إن المتأمل في نهج أبي حمزة الشاري الذي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أن حديثه لم يكن خطبة منبرية، ولا نصا أدبيا يتناوله النقاد بالدراسة، ويستعرضون ما فيه من بلاغة وقوة تعبير.

لقد كانت خطبته عرض منهج يشرح فيه - بصدق وأمانة ـ الدافع الذي أخرجه وصحبه من ديارهم وأموالهم، إنهم لم يخرجوا طلاب دنيا أو ملك

يخوضون فيه.

إنهم طلاب حق يعلمون أنهم قلة وكذلك أتباع الحق في كل زمان ومكان، وما مدح الله الكثرة في أي موقف، وهل كان أصحاب الأنبياء والصالحين إلا قلة، وقد قال الله في أصحاب طالوت كم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (2) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (2) فَهَزَ مُوهُم بِإِذْنِ اللهِ} [البقرة: 249 - 251].

250

249

وقد ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائم الدين بالمؤمنين القلائل الذين واجه بهم ومعهم - في قلة من العَدَدِ وضعف من العُدَدِ - قوى الشرك على - تنوعها - وملأوا الدنيا بكلمة التوحيد.

وكما قال عبد الله بن الزبير أما بعد .. فإنه لم يعز من كان الباطل معه،

ولو كان معه الأنام طرا، ولم يذل من كان الحق معه، ولو كان فردا.

حقا أرأيتم بلج بن عقبة معه ستمائة من أمثاله ـ فتوة وعقيدة ـ يقابلون جيشا يأكل الفضائل ويطمس معالم الحق ولا تأخذه لومة لائم، فيقابلونهم غير هيابين لا تهمهم النتائج فهي بين يدي الله يفعل بهم. ما يشاء، إنها الفئة المؤمنة في كل وقت وزمان تواجه الباطل لا يعنيها انتفاشه وبطره وفجوره، بل يعنيهم أداء الواجب على أحب ما يريد الله.