الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

264

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

فأما الأولى فتدور على النموذج الأصيل للدولة الإسلامية الذي قدمه المذهب الإباضي منذ الأزمنة الأولى. وأما الثانية فلبها ديمومة (الأسطورة) ومتانة التجربة الإباضية عبر التاريخ السياسي للبلاد. وأما الثالثة فهي عمق التراث الديمقراطي الذي خلفته الإباضية للثقافة العُمانية اليوم.

إن مبدأي الشورى والبيعة - الإجماع والتعاقد ـ مضافا إليهما قيم المساواة الاجتماعية والمساواة أمام القانون ومبادئها تمثل ركائز الديمقراطية الإسلامية في عُمان، وفلسفة الثقافة الاجتماعية والسياسية لدولة الإمامة، وقد كان الشغل الشاغل للحركة الإباضية المتصفة بمثابرة غير عادية هو تشييد دولة ومجتمع إسلاميين على مثال دولة الخلافة.

أنه لا يمكن

على أن إحدى الخصائص الأولى لنظام الإمامة الإسلامي اختزاله إلى نظام ثيوقراطي (حكومة دينية أو بالأحرى حكومة كهنوتية) قائم على الحق الإلهي، كما هو الحال في أوروبا المسيحية، فلم يكن الإمام إلا قائدا منتخباً وممثلا للأمة، يستمد شرعيته منها. وقد شكلت الممارسة الإباضية بمحافظتها على مبدأ الانتخاب الحر للإمام الذي تكرسه البيعة، مجموعة قيم وأسس ديمقراطية، قريبة جدا من حيث الجوهر مما يسمى اليوم بالديمقراطية.

لقد دخلت الديمقراطية (ديمقراطية الشورى) إلى عُمان

مع

المذهب

الإباضي أي مع الدين، إنها إذا روح الثقافة السياسية العُمانية، ومن ثم الديمقراطية العُمانية القائمة على الانتخاب الحر للأئمة لا تمثل نموذجا سياسيا قط، بل هي فوق ذلك، سلوك اجتماعي وثقافي وقيمي. وبفضل ممارستها الطويلة أصبحت بحق تقليدا ثابتاً للمجتمع العُماني، بل قانونا للحياة الجماعية وللدولة.