الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٤١

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

41

ومن العصبية للباطل، قول ابن بطال بأن هذا إنما هو في مشركي مكة الذين عذبوا عمارا وحاولوا فتنته عن دينه!! .. قال: «ولا يمكن أن يتأول هذا الحديث في المسلمين البتة؛ لأنهم قد دخلوا دعوة الله، وإنما يدعى إلى الله من كان خارجا من الإسلام وقوله: «ويدعونه إلى النار» دليل أيضًا على ذلك؛ لأن المشركين أهل مكة إنما فتنوه وطالبوه أن يرجع إلى دينهم، فهو النار» (1).

وهو تأويل عجيب لا ينبئ إلا عن تأصل العصبية في النفوس، فإن من استجاب للدعوة العامة للإسلام بحيث أتى بالشهادتين لا تسقط دعوته إلى الحق، بل يؤمر أن يلتزم ما اقتضته الشهادتان من اتباع الحق وترك الباطل، والائتمار بأمر الله والازدجار عن أمر الشيطان والقيام بجميع التكاليف الشرعية فعلا، وتركا، إذ لا تسقط التبعة عن أحد بمجرد نطقه بالشهادتين فلو كان كذلك لما وجب فرض على من أتى بهما ولا حظر شيء عليه، وأين هذا من قوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: 123)، وقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ) [التوبة: 119]، وقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾ [البقرة: 254] وقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278 - 279]، وقوله: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرّبوا أَضْعَفًا مُّضَعَفَةٌ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ

(123)

(1) شرح صحيح البخاري، أبو الحسن علي بن خلف بن عبدالملك بن بطال البكري القرطبي (ت: 449 هـ)، ج 5، ص 27، مكتبة الرشد، السعودية، الرياض، 1423 هـ /2003 م، الطبعة الثانية، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم.