الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٦٩

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

69

فتركوه، وكان يقول: كنت أسمع عند مواقيت الصلاة همهمة من الحجرة المطهرة، وافتض فيها ألف عذراء، وإن مفتضها فعل ذلك أمام الوجه الشريف، والتمس ما يمسح به الدم فلم يجد، ففتح مصحفا قريبا منه، ثم أخذ من أوراقه ورقة فتمسح بها، نعوذ بالله ما هذا إلا صريح الكفر وأنتنه. ومن ذلك، أن امرأة من الأنصار دخل عليها رجل من أهل الشام وهي ترضع ولدها وقد أخذ ما كان عندها، قال لها: هاتي الذهب، وإلا قتلتك وقتلت ابنك. فقالت: ويحك إن قتلته فأبوه أبو كبشة صاحب رسول الله، وأنا من النسوة اللاتي بايعن رسول الله، وما خنت الله في شيء بايعت رسوله عليه فأخذ الصبي من حجرها وثديها في فيه، وضرب به الحائط حتى انتثر دماغه في الأرض، والمرأة تقول: لو كان عندي شيء أفديك به

يا ابني لفديتك، قال: فما خرج من البيت حتى اسود نصف وجهه، وصار

6

مثلة في الناس» (1). ليت شعري؛ ما الذي أبقاه هؤلاء من الحرم لم ينتهكوه، فقد انتهكوا حرمة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بارتكابهم الجرائم العظام بين جنباته، وانتهكوا سائر حرمه بسفكهم الدماء، وإزهاقهم الأرواح وانتزاعهم النساء ـ لا سيما العذارى - من بين أهلهن، وترويعهم الساكنين فيه، وانتهكوا حرمة القرآن الكريم إذ دنسوا المصاحف بمسحهم آثار جرائمهم بأوراقها التي كتبت عليها آياته تعالى وانتهكوا حرمة الدين إذ ضربوا بتعاليمه عرض الحائط و داسوها بأقدامهم، وانتهكوا حرمة الإنسانية التي عظمها الله في كتابه حيث قال: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، فكيف بقتل هذه الألوف من خيار أهل الأرض، وانتهكوا حرمة خير أمة

(1) سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، ج 3، ص 202 - 203.