الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٧٣القسم الأول: مظاهر الاستبداد
73
وقد خرج القائد المسرف من مدينة رسول الله بهجا مسرورا بما فعله بأهلها وارتكبه في حرمها، وتوجه إلى مكة المكرمة ليعيد الكرة فيها بجرائمه المنكرة ووحشيته الضارية وهو يتميز غيظا عليها وعلى أهلها، إلا
أنه هلك بالمشلل، وتبعه من بعد يزيد عاملهما الله بما يستحقان.
هذه هي سيرة يزيد الذي اختاره معاوية ليخلفه في أمر الأمة، فيا ترى هل يبرأ معاوية من تبعة أفعال يزيد؟ مع أنه تربى على يديه وصنع على عينه، فخبر طواياه واكتشف خباياه، وقد كان إقدامه على هذه الخطة بإرغام بقايا المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وقد علمت أنهم كانوا معترضين عليه فلم يلق لهم، بالا، وإنما هددهم بالقتل والإبادة إن لم يخضعوا ويستكينوا، ولنسمع إلى ما ذكره شيخ المفسرين والمؤرخين ابن جرير الطبري، نقلا من الكتاب الذي أمر المعتضد العباسي بنشره في معاوية وجرائره، ابتداء من انتزاعه الخلافة ممن هو أتقى وأنقى وأبر وأكرم وأعلم وأحلم، وتحويلها إلى ملك عضوض، ومنها أخذه البيعة ليزيد قسرا، وهاك بعضا مما تضمنه بنصه:
«ثم مما أوجب الله له اللعنة قتله من قتل صبرا من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة، مثل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي، فيمن قتل من أمثالهم في أن تكون له العزة والملك والغلبة، والله العزة
(ت: 507 هـ)، ج 6، ص 12، مكتبة الثقافة الدينية - بورسعيد، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج، (ت: 597 هـ)، ج 5، ص 343، دار صادر، بيروت، 1358 هـ، الطبعة الأولى، التذكرة الحمدونية، ابن حمدون محمد بن الحسن بن محمد بن علي (ت: 608 هـ)، ج 6، ص 262، دار صادر، بيروت، لبنان، 1996 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: إحسان عباس بكر عباس، الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة، محمد بن أبي بكر الانصاري التلمساني المعروف بالبري (ت: 644 هـ)، ج 1، ص 29، البداية والنهاية، ج 8، ص 192.