الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٨

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

وما من شك في كون العدل المنشود والحق المبتغى مطلبا فطريا للنفس البشرية، فإن الله خلقها حرة، وكرمها بما جللها به من سوابغ الإحسان، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي عَادَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، وما أعظم كلمة الفاروق التي حفظها الدهر ورواها، وسجلها الزمن ووعاها متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).

نعم؛ قالها الفاروق من أعماق قلبه لأنه كان مؤمنا بفحواها، إذ وعى ما أنزل الله على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وتدرج في أطوار التربية النفسية بمدرسة النبوة الخاتمة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، حتى كان في الرعيل الأول ممن وعوا معارفها واستقوا علومها، فحرص مع إخوانه الخلفاء الراشدين على تطبيق محتواها، فكانت خلافتهم عدلا وإحسانا ونَعِمَ الإنسان في ظلها الوارف الظليل بالحرية والكرامة والأمن والاستقرار، وكان في مأمن أن تمتد إليه يد فتسلبه حقا من حقوقه التي منحه الله إياها، أو أن يلفحه هجير من العسف والظلم.

ولكن ليت شعري؛ هل ظلت الأمة تتمتع بهذه الحقوق كاملة غير منقوصة كما كانت في أيام الخلافة الراشدة، أو أنها ابتزت منها حقوقها هذه بعدما انطوت تلك الحقبة الزاهرة ونشبت فيها مخالب الجور وأنيابه، ومهدت الطريق لبطش الجبابرة المستكبرين وقهر الظلمة المستبدين بتذليل

الرقاب وطأطأة الرؤوس للظالم، وإنْ ضَرَبَ ظهرك وأخذ مالك»؟!!!.

(1) ينظر: فتوح مصر وأخبارها، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله عبد الحكم بن أعين القرشي المصري (ت: 257 هـ/ 871 م)، ج 1، ص 290، دار الفكر، بيروت، 1416 هـ/ 1996 م، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد الحجيري، وينظر: ربيع الأبرار، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد الزمخشري جار الله، (ت: 538 هـ)، ج 1، ص 289.