النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٠٦106
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
كتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز، وما فيه من الفرائض والسنن
إن المتتبع للموضوعات التي ضمنها أبو عبيد كتابه هذا يتبين له مدى ما كان عليه من الوفاء في أداء حق هذه التسمية التي صدرها الكتاب، إذ تحدث في مقدمته عن معنى الناسخ وأنواعه، موثقاً ما ذكره بالأدلة المتصلة بأسانيدها عن الصحابة والتابعين، وأطال في معالجة الآيات الناسخة، والمنسوخة، أو المدعى عليها النسخ، حيث تجده يناقش النصوص القرآنية التي يوردها، مستنبطاً منها ما تضمنته من الفرائض والسنن معرجاً أحياناً على النسخ في السنة بعد ذكره للنسخ في القرآن، فتجد مجاوزة لمجال الناسخ والمنسوخ في القرآن؛ فيقول في باب الصلاة فهذا ما في الصلاة من القرآن، فأما نسخها في السُّنَّة فيقول في باب الحدود فهذا ما نسخ من حدود القرآن، وأما ما نسخ من حدود السُّنَّة ويصدر باب أهل الذمة بقوله باب الحكم بين أهل الذمة، وما فيه من النسخ في الكتاب والسُّنَّة.
كما تجده
أحياناً يتوسع في الشرح، ويتناول بعض القضايا البعيدة تمام البعد عن موضوع النسخ؛ ففي باب الصيام على سبيل المثال: ناقش حكم الإفطار للمسافرين فاستعرض التخيير والاستصحاب والكراهة، وبسط الأدلة لذلك، وإن كانت هذه القضية بمعزل عن النسخ إلا أن الذي عبيد على خوض غمارها ارتباطها بآيات الصيام في سورة البقرة، تلك الآيات المشتملة على
أبا جر ناسخ الصيام ومنسوخة.
وفي باب الطلاق ناقش مسألة الخلع لمن يكون؟ للأزواج أم للسلطان؟ وإن كانت هذه القضية لا صلة لها بالنسخ إلا أن الداعي لإيرادها تعلقها بقضية أخرى، وهي أخذ العوض في الخلع المخصص للنهي الوارد في آية النساء: ﴿وَإِنْ أَردتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوج وَاتَيْتُمْ إِحْدَنَهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20].
لهذا يلاحظ المتأمل في موضوعات الكتاب مجاوزة أبي عبيد لقضية النسخ في القرآن إلى قضايا أخرى هي مجموعة من الفرائض والسنن الكامنة في آيات القرآن.
ما تفرد به أبو عبيد في كتابه الناسخ والمنسوخ
المطلع على الكتاب يجد حسن التبويب، والأمانة العلمية في الأخذ والترك والقبول والرفض لأيّ حكم من الأحكام، كما يلاحظ قدرة أبي عبيد على الجمع بين النصوص والآثار التي ظاهرها التعارض مع قدرة كبيرة على استنباط الأحكام من مواطنها في نصوص الكتاب، ولعل ما سوف أذكره يوضح المزايا التي تحلّى بها أبو عبيد أثناء معالجته للقضايا والأحكام.