النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٠٧107
|
أبو عبيد القاسم بن سلام: كتابه: الناسخ والمنسوخ
أ. حسّان موسى
أولاً: اعتمد في صياغة أبواب الكتاب طريقة لم يسبقه إليها أحد في ما أعلم، ولم يأخذ مسلكه من جاء بعده مِمَّن صنف في الناسخ والمنسوخ، إذ قسمه إلى ثلاثين باباً:
أوّلها: فضل علم الناسخ والمنسوخ، وتأويل النسخ ثُمَّ أعقبه بذكر أبواب في الصلاة والزكاة والصيام والنكاح والطلاق والحدود والشهادات وشهادة أهل الكتاب والمناسك والجهاد والأسارى والمغانم والاستئذان والمواريث والوصية واليتامى والحكم بين أهل الذمة والطعام والشراب والسكر وقيام الليل والنجوى والتقوى والتوبة عند الموت وتوبة القتل ومؤاخذة العباد بما تخفي النفوس، والإكراه في الدين والاستغفار للمشركين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وسبب حسن تبويبه؛ لأنَّ علم الناسخ والمنسوخ مجاله الأحكام، واعتماد المسلك الفقهي في معالجة قضايا النسخ أدعى إلى حصر النصوص، محكمها ومنسوخها في الباب الواحد، فيحصل بذلك تيسير الانتفاع وتسهيل الطلب.
ثانياً: في ما يتصل بتأويله للآيات ومناقشته للخلاف والوصول إلى الراجح؛ فإنك تجده مثلاً في المقدمة يستعرض معنى قوله تعالى: أَوْ نُنسِهَا) والقراءات فيها، ثُمَّ يذكر المعنى الراجح لديه في تأويلها، كما تجده في باب الصيام في معرض ذكره للقضاء والإطعام لكل من الحامل والمرضع، والخلاف فيه، ذكر الراجح لديه في كل منهما.
ثالثاً: في ما يخص الجمع بين الآثار التي ظاهرها التعارض؛ فإنك تجده بعد ذكره لأقوال الذين ذهبوا إلى تحريم نكاح المرأة الفاجرة، وذكره لأقوال الذين ذهبوا إلى إباحة نكاحها بوقف بين التعارض بمجمل قول من قال بالإباحة إنه مخصوص بالتوبة؛ فإن بدر منها توبة بعد فجورها حلّ نكاحها (2).
يقول:
رابعاً: كما نلمس في رده على المخالفين في المسائل المتنازع عليها قوة الردّ، وشدة المقارعة بالحجة والبيان؛ مثال ذلك: قوله في باب شهادة أهل الكتاب بعد ذكره للخلاف في تأويل آية الوصية في السفر، ومن المعنى بقوله: ﴿أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ وَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة: 106] أما تأويل الحسن: من قبيلتكم أو قبيلة غيركم؛ فكيف يصير أهل المخاطبة بالآية من غيرهم، وإنما خاطب الله بها أهل التوحيد كافة، فقال يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فلم يبق أحد منهم إلا وقد خوطب، فكيف يجوز أن يقال مِنْ غَيْرِكُمْ؟ إلَّا من كان خارجاً منها. وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث يتهم بعضهم بعضاً فأنى يكون هذا؟ وإنما سماها الله لنا شهادة ثُمَّ أعاد ذكرها في الآية، وأيده مراراً فقال: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾، وقال: ﴿لَشَهَدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا﴾ [المائدة: 107] وقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: 108].
(1) باب الصيام، ص 63 - 70.
(2) باب النكاح، ص 107.