النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٣٢

1132

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

المرسل من خلال قراءاته وخبراته العملية، ويصل هذا الإعلان والرسالة لمن يقرأ الكتاب. ويكشف محتوى الكتاب الجامع لكثير من المعارف لم ترد - في ما نعلم بهذا السياق، ولتحقيق هذا الهدف وبهذا المنهج - في مصادر أخرى معاصرة أو سابقة. ولما كانت أسرار الحرف وخبراتها سمة تقليدية لدى أصحابها في العصور الوسطى، فإن كتابة كتاب مثل هذا يعرف به مؤلفه «أهل البصر» دقائق الأمور في مجال البنيان في إطار ما كتبه مؤسساً على المصادر الفقهية، وجامعاً في الوقت لخبراته العملية كبناء يعتبر في إطار هذا النسق بمثابة إعلان أسرار تتصل بحرفة البناء جرت العادة بتوريثها من الآباء للأبناء. كما أن الإعلان بأسرار الأحكام الفقهية موثقاً بهذه الصورة يأتي في إطار هذا السياق فإن صدور هذا الكتاب عن هذا المؤلف لهذه الغاية سلوك حميد ومقدر.

واللفظ الثاني الوارد في صياغة العنوان: بأحكام يصبغ على الكتاب بعداً مهماً يتميز به هذا المصدر، وهو البعد العملي الذي يعكس مراحل مهمة من مراحل تاريخ الفقه الإسلامي، فعندما تقرأ مدونة الإمام سحنون التي تعد وثيقة تتضمن أحكاماً وإجراءات قام بتشخيصها، وعالج المسائل فيها بطريقة الأمر الواقع، ندرك تحول الفقيه من فقيه مجتهد إلى قاض عقلاني، وعندما نقرأ كتاب الإعلان بأحكام البنيان، ندرك التطبيق العملي الموضوعي لأحكام البنيان في إطار القاضي الذي يحكم في مسائل البنيان مستعيناً بـ «أهل البصر»، الذين يمثلهم ـ في بحثنا ـ ابن الرامي الذي ألف كتابه مستفيداً بالمصادر التشريعية والآراء والأحكام الفقهية وتوجيهات قضاة ليصدر هذا الكتاب الذي أصبح مصدراً لقضاة لاحقين وهكذا تكتمل الدائرة متمثلة في الفقيه والقاضي وأهل البصر من العارفين بأحكام البنيان، ولا تقتصر هذه الدائرة على مجال العمل، ولكنها تتسع لتشمل نطاق التأليف في مجال البنيان، وكان ذلك في إطار مناخ ثقافي مرتبط بأحداث العصر، وبخاصة حال عمران المدن والمستقرّات السكنية).

عصره،

واللفظ الثالث في العنوان: البنيان»، والبنيان لغةً: جمع بناء، وهو ما يبنى، وهو ضد الهدم، وقد يطلق تجاوزاً على ما يزال كالخيام والمظلات والسرادق. والبنيان اصطلاحاً: هو ما له أصل وقرار، وأطلق عليه في عُرف الناس بناء، والبناء بهذا المعنى يشمل الدار والبيت والحصن والرصيف، وكل ما له اتصال تربيع، واتصال التربيع هو أن يكون في حائط من المدر أو الآجر، تداخل بين أنصاف لبنات حائط المدعي، وأنصاف لبنات الحائط المتنازع فيه، وإن كان الحائط من خشب فالتربيع أن تكون الخشبة مركبة في الأخرى، والبناء لا يقتصر على ما يتخذ من أجر أو أو وإنَّما يتسع فيشمل ما يتخذ من الأخشاب (2). حجر،

طين

(1) سنعود لتوضيح ذلك في موضعه.

(2) ابن منظور لسان العرب مادة ب ن ي»، ج 89/ 14.