النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٩٧كتاب (الجامع) لابن بركة والنظرية الفقهية
ناصر بن خلفان بن خميس البادي
1197
مي.
بنظريات تواكب وتعالج الحياة والقضايا والأحداث والوقائع المعاصرة من منظور الفقه الإسلام غير أن المتتبع والمستقرئ للتراث الفقهي المبكر يستطيع أن يدرك أن مضمون النظريات الفقهية كان موجوداً - وإن كان مبعثراً - في كتب الفقهاء، وأن يدرك أن الفقيه كان ينطلق في تفريع المسائل من نظام فقهي عام وشامل يحمله ويسلم به، وإن لم يعبر عن ذلك صراحة).
ويمكن ـ بكل ثقة - اعتبار شأن النظريات الفقهية في التطور كشأن أصول الفقه والقواعد الفقهية، فالفقهاء في القرنين الأول والثاني الهجريين لم تكن لديهم أصول الفقه وقواعده واضحة ولا متبلورة ولا مستقلة كعلم قائم بل لم تكن معروفة بألفاظها الدقيقة التي استقرت لاحقاً، لكنهم مع ذلك كانوا يعتمدون عليها في تخريج الفقه، ولا يمكن أن نقول إلا أنها كانت نظريات عامة وواضحة في أذهانهم وتصوراتهم، وكانوا ينطلقون منها في إنتاج الواقع الفقهي، ويمكننا - بناء على هذا الأساس - أن نعتبر النظريات الفقهية هي المرحلة النظرية التطورية الطبيعية المنطقية الثالثة بعد المرحلتين السابقتين: أصول الفقه وقواعد الفقه، وإن كانت
كانت متأصلة
النظريات الفقهية قد تأخرت - بعض الشيء - في الظهور؛ لأسباب عدة ليس هذا محل بسطها. وليس أدل على تقريرنا لوجود النظريات الفقهية متضمنة في فقه العصور الفقهية المبكرة من عمليات التنظير الفقهي المعاصرة، والتي لجأ فيها فقهاء النظريات المعاصرون إلى التراث الفقهي المبكر والوسيط والمتأخر لصياغة نظريات الفقه المعاصرة، فهم اعتمدوا اعتماداً شبه كلي على التراث الفقهي (الأصول والقواعد والفروع). فالنظريات الفقهية الحديثة إذاً نتيجة طبيعية للإنتاج الفقهي السابق، ومبنية عليه كلياً، كما بنيت القواعد الفقهية من قبل ذلك على الفروع الفقهية السابقة لها. إذا ـ وفي هذا السياق ذاته - فإن رجوعنا إلى مؤلفات الفقهاء في القرون الأولى بالاستقراء والدراسة، ومن منطلق البحث عن النظريات الفقهية، سيتكشف لنا بوضوح وجود نظام خفي كان ينطلق منه الفقهاء في التفريع الفقهي في قضايا معينة، تماماً مثلما يحصل حينما يضع المستكشف عين المجهر على ورقة من الشجر فيرى ملايين المسامات والشعيرات الدقيقة التي لم يكن يراها قبل لحظة من وضع المجهر. ومن هنا فإنه باستطاعتنا القول بأن التنظير للنظريات الفقهية كشف لواقع وإعادة لتنظيمه.
إذاً المعطيات الجاهزة التي لدينا ـ إلى الآن - هي:
المعطى الأول: النظريات الفقهية مرحلة جديدة من مراحل تطور الفقه تكمّل المراحل السابقة، وتعتمد عليها، وليست شيئاً مبتدعاً. بدليل أن النظريات لا تستقيم بغير أصول الفقه وقواعده.
(1) موقع التبصرة (www.tabsera.com) مقال علمي للدكتور محمد الفقيه بعنوان: النظرية الفقهية.