النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٢١٣

طلعة الشمس» (شرح منظومة شمس الأصول)

د. سالم بن سعيد بن محمد الحارثي

1213

الله

ثم امتد التناول الأصولي في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - بالاجتهاد ومحاولة إعمال القواعد الأصولية التي فهموها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن إذ ذاك منصوصاً عليها بأسمائها، بل أعانهم ما تضافر عندهم من أدوات الفهم وقرب التلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهرت في التاريخ الإسلامي حوادث مختلف للصحابة - رضوان الله عليهم - في الاجتهاد منها ما أقرهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم: كحادثة بني قريظة، فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي فلم يعنف واحداً منهم». فهنا أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم في اجتهادهم، وقد يأتي التصويب من النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في ما رواه الربيع بن حبيب في مسنده عن قوم مات بحضرتهم مجدور فقيل للنبي الله إنه أمر بالغسل كما ترى فكر عليه الجدري فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قتلوه قتلهم الله ماذا عليهم لو أمروه بالتيمم».

المختلفة

العلوم

ومع توسع رقعة الإسلام ودخول أجناس مختلفة فيه، وانفتاح المسلمين على الحضارات وبدء حركة الترجمة واحتدام الخلاف الكلامي ظهرت الحاجة ملية إلى بدء تدوين المختلفة وتبويبها والتأليف فيها، وكان علم الأصول حاضراً بقوة في هذا الميدان، لعلاقته الوثيقة بعلم الكلام من جهة ولأهميته في استنباط الأحكام الفقهية ولعل من أقدم المؤلفات فيه كتاب «الرسالة» للشافعي (150) - 204 هـ) كما يذكر كثير من الباحثين، وإن كان ثُمَّ من يرى أن أبا حنيفة (80) - 150 هـ) هو الأسبق سهماً في هذا المجال، وثَمَّ من يرى أن أبا جعفر محمد الباقر (ت: 114 هـ) هو من سبق بالتأليف، أنه بيد يظهر أن الشافعي هو أول من بدأ بتحرير فصوله، ومناقشة جملة من أبوابه.

وفي هذه العصور المبكرة دارت عجلة التطور الأصولي، فقد تناول الإباضية في مرحلة مبكرة القواعد الأصولية في الاجتهاد الفقهي مع التصريح بمسمياتها عند المناقشة العلمية كما يظهر جلياً عند أبي سعيد الكدمي وابن بركة في جامعه.

إلا أنه وفي خضم تطور أصول الفقه انقسمت الاتجاهات الأصولية إلى قسمين أساسيين، هما طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء، أو ما تسمى بطريقة الشافعية وطريقة الحنفية، وقد اعتمدت كل منهما طريقة منهجية مختلفة، بدءًا من تأصيل القواعد الأصولية نفسها ومروراً بالتفريع وانتهاءً بتطبيقها على الفروع الفقهية.

أما طريقة الشافعية - أو ما تسمى بطريقة المتكلمين فتعتمد على تقرير القواعد الأصولية وتحقيقها وإقامة الأدلة عليها من دون النظر إلى مدى موافقتها لفروع المذهب الفقهي، حيث إن القاعدة هي التي تحكم على الفرع الفقهي ولا تكون ناشئة عنه، وفي ذلك يقول ابن خلدون