النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٢٩1229
كتاب العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف)
لأبي يعقوب الوارجلاني 500 - 570 هـ
أ. د. محمد الشيخ
(باحث أكاديمي من المملكة المغربية)
وعجب،
الله الرحمن الرحيم
مدخل
يُحكى أن أعرابيّاً وقف على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه، فحار وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: «ما تسمع يا أخا العرب؟ قال: «أراكم تتكلّمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا». أخشى ما أخشاه أن يكون حالي - وأنا مقبل على هذا الجمع المهيب من فقهاء الأمة - يشبه حال هذا الأعرابي، أنا الذي نشأت على محبة الحكمة منذ نعومة أظافري وأرضعت الفلسفة منذ أيام مراهقتي. لكن، لدي عند هذا الجمع الجليل شفعاء ثلاثة لعلهم يشفعون لي من الشفاعات ما تعلّق بي، ومنها ما تعلق بموضوع مداخلتي منها أني أهتم بفلسفة الدين، وإنما فلسفة الدين هي النظر النقدي في الدين، ليس بمعنى التقحم على الدين والتسور على حرماته، وإنما بمعنى فحص الأدلة الدينية، ومن هنا كانت لها صلة وثيقة بعلمين أساسيين من العلوم الإسلامية علم الكلام وعلم أصول الفقه. وكلاهما علم نقدي المنزع، فضلاً عن اهتمام هذه العلوم أجمعها بالكليات وبالأصول والمبادئ وأبو يعقوب بن يوسف الوارجلاني - موضوع بحثي هذا - تكاد بعض أنظاره ره في شأن «الدين» ترقى إلى مرتبة النظر الفلسفي في الدين. يكفي أن نذكر له في هذا المقام قوله في أمر «الدين»: «إن هذا الأمر المتعلّق بالدين شأنه عظيم، وخبره [خطره] يسعنا فيه إلا الحق عند الله تعالى فإن علومنا ضعيفة، وأحوالنا خفيفة، وعقولنا جسيم، كليلة، وأيامنا قليلة، مع ظهور الفتن، وكثرة المحن». وفضلاً عن هذا، كان قد علمنا الشيخ مصطفى عبد الرازق أن الجراثيم الأولى» للتفكير
(1) أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني: الدليل والبرهان، تحقيق: الشيخ سالم بن حمد الحارثي وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان، الطبعة الثانية 2006 م، الجزء الثاني، المجلد الأول، ص 23.