النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٦٧التنظير الفقهي في المدارس الفقهية
د. عبد العزيز العوضي
1267
وهذه النظرية كتب فيها الفقهاء قديماً وحديثاً، ويكفي الباحث أن ينظر في فهارس مكتبة كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر وغيرها من المكتبات.
ويبين لنا الغزالي أن هذه النظرية العامة تنطوي على خمس نظريات كبرى، فيقول: «الفن الأول: في حقيقته ويشتمل على تمهيد وثلاث مسائل. أما التمهيد: فهو أن الحكم عندنا عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلّق بأفعال المكلفين، فالحرام هو المقول فيه: اتركوه ولا تفعلوه، والواجب هو المقول فيه: افعلوه ولا تتركوه، والمباح هو المقول فيه: إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه؛ فإن لم يوجد هذا الخطاب من الشارع فلا حكم، فلهذا قلنا: العقل لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب شكر المنعم، ولا حكم للأفعال قبل ورود الشرع، فلنرسم كل مسألة برأسها» (45/ 1).
وهذه النظريات الخمس هي أقسام الحكم، كما يقول: «الفَنُّ الثَّانِي فِي أَقْسام الأَحْكامِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى تَمْهِيدٍ وَمَسائِلَ خَمْسٍ عَشْرَةَ: أَمَّا التَّمْهِيدُ فَإِنَّ أَقْسام الأَحْكامِ الثَّابِتَةِ لأَفْعالِ المُكَلَّفِينَ خَمْسَةٌ: الواجِبُ والمَحْظُورُ والمُباحُ والمَنْدُوبُ والمَكْرُوهُ. وَوَجْهُ هَذِهِ القِسْمَةِ أَنَّ خِطابَ الشَّرْعِ إمّا أَنْ يَرِدَ بِاقْتِضاءِ الفِعْلِ أَوْ
اقْتِضاءِ التَّرْكِ أَوْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإِنْ وَرَدَ بِاقْتِصَاءِ الفِعْلِ فَهُوَ أَمْرٌ، فَإِما أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الإِشْعَارُ بِعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ فَيَكُونَ واجباً أَوْ لَا يَقْتَرِنَ فَيَكُونَ نَدْباً. وَالَّذِي وَرَدَ بِاقْتِصَاءِ التَّرْكِ، فَإِنْ أَشْعَرَ بِالعِقَابِ عَلَى الفِعْلِ فَحَظْرٌ وَإِلَّا فَكَرَاهِيَةٌ، وَإِنْ وَرَدَ بِالتَّخْيِيرِ فَهُوَ مُباحٌ» (123/ 1).
وهو هنا يبيّن هذه النظريات الخمس التي هي:
1 - نظرية الواجب وقد بيّن أن هذه النظرية هي ما يُثابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، (49/ 1). لكنه ذكر أكثر من تعريف، فقال: «اخْتَلَفُوا فِي حَدٌ الواجِبِ، فَقِيلَ: الوَاجِبُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الإيجابُ، وَهُوَ فَاسِدٌ، كَقَوْلِهِمْ: العِلْمُ ما يُعْلَمُ بِهِ، وَقِيلَ: ما يُتَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَقِيلَ: ما يَجِبُ بِتَرْكِهِ العِقابُ، وَقِيلَ: ما لا يَجُوزُ العَزْمُ عَلَى تَرْكِهِ، وَقِيلَ: ما يَصِيرُ المُكَلَّفُ بِتَرْكِهِ عَاصِياً، وَقِيلَ: ما يُلامُ تارِكُهُ شَرْعاً. وَأَكْثَرُ هَذِهِ الحُدُودِ تَعْرِضُ لِلَّوازم والتَّوابِعِ، وَسَبِيلُكَ إِنْ أَرَدْتَ الوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَنْ تَتَوَصَّلَ إِلَيْهِ بِالتَّقْسِيمِ كَما أَرْشَدْناكَ إِلَيْهِ فِي حَدِّ العِلْمِ» (49/ 1) ثم قال: «ثُمَّ رُبَّما خَصَّ فَرِيقٌ اسْمَ الواجِبِ بِما أَشْعَرَ بِالعُقُوبَةِ عَلَيْهِ ظَنّاً، وَمَا أَشْعَرَ بِهِ قَطْعاً خَصُّوهُ بِاسْمِ الفَرْضِ». مشيراً بذلك إلى تقسيمات الحنفية، ولم يكتف بهذا القول بل ذكر كل تعريف ـ ويسميه
الحد ـ وذكر الاعتراضات عليه وناقش ذلك مناقشة الأصولي المتمكن فقال: «فَأَمَّا حَدُّ الواجب: فَقَدْ ذَكَرنا طَرَفاً مِنْهُ فِي مُقَدِّمَةِ الكِتابِ؛ نَذْكُر الآنَ مَا قِيلَ فِيهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: