النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٦٨1268
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
إِنَّهُ الَّذِي يُعاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الواجِبَ قَدْ يُعْفَى عَنْ العُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ واجِباً؛ لأَنَّ الوُجُوبَ ناجِزُ والعِقابَ مُنْتَظَرٌ.
وَقِيلَ: ما تُوُكِّدَ بِالعِقابِ عَلَى تَرْكِهِ. فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ تَوَعَّدَ لَوَجَبَ تَحْقِيقُ الوَعِيدِ، فَإِنَّ كَلامَ اللهِ تَعَالَى صِدْقٌ وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ وَلا يُعاقَبَ.
وَقِيلَ: ما يُخَافُ العِقابُ عَلَى تَرْكِهِ. وَذَلِكَ يَبْطُلُ بِالمَشْكُوكِ فِي تَحْرِيمِهِ وَوُجُوبِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بواجب وَيُخافُ العِقابُ عَلَى تَرْكِهِ. وَقَالَ القاضِي أَبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: الأَوْلَى فِي حَدِّهِ أَنْ يُقالَ هُوَ الَّذِي يُذَمُّ تارِكُهُ وَيُلامُ شَرْعاً بِوَجْهِ ما؛ لأَنَّ الذَّمَّ أَمْرٌ
ناجِزُ والعُقُوبَةَ مَشكُوكٌ فِيهَا. وَقَوْلُهُ بِوَجْهِ ما» قَصَدَ أَنْ يَشْمَلَ الواجِبَ المُخَيَّرَ، فَإِنَّهُ يُلامُ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ بَدَلِهِ، والواجِبُ المُوَسَّعُ فَإِنَّهُ يُلامُ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ تَرْكِ العَزْمِ عَلَى امْتِثَالِهِ» (124/ 1).
2 - نظرية الحرام أو المحظور: وهو الَّذِي وَرَدَ النص بِاقْتِضاءِ تركه، وبِالعِقابِ عَلَى الفِعْلِ؛ لأَنَّ النهي إذا لم يقترن بالعقاب فقد لا يكون للتحريم، كما قال الغزالي: «فَقَدْ تَكُونُ لِلتَّحْرِيمِ وَلِلْكَرَاهِيَةِ والتَّحْقِيرِ كَقَوْلِهِ: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ. وَلِبَيانِ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّلِمُونَ﴾ وَلِلدُّعاءِ كَقَوْلِهِ: (وَلا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ). وَلِلْيَأْسِ كَقَوْلِهِ: لَا نَعْنَذِرُوا الْيَوْمَ .. وَلِلْإِرْشَادِ كَقَوْلِهِ: لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» (14/ 2).
3 - نظرية المباح: الَّذِي وَرَدَ الإِذْنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِفِعْلِهِ وَتَرْكِهِ غَيْرَ مَقْرُونِ بِذَمٌ فَاعِلِهِ وَمَدْحِهِ وَلَا بِذَمِّ تَارِكِهِ وَمَدْحِهِ». وهذه نظرية ذكر حولها مناقشة فقال:
«وَأَمَّا حَدُّ المُباح فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: ما كانَ تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ سِيَّيْنِ، وَيَبْطُلُ بِفِعْلِ الطِّفْلِ والمَجْنُونِ والبَهِيمَةِ، وَيَبْطُلُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَثِيرٌ مِنْ أَفْعَالِهِ يُساوِي التَّرْكَ فِي حَقْنا وَهُما فِي حَقٌّ اللَّهِ تَعَالَى أَبَداً سِيِّانِ، وَكَذَلِكَ الأَفْعَالُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ تُساوِي التَّرْكَ وَلا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُبَاحاً، بَلْ حَدُّهُ أَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ الإِذْنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِفِعْلِهِ وَتَرْكِهِ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِذَمِّ فَاعِلِهِ وَمَدْحِهِ وَلَا بِذَمِّ تَارِكِهِ وَمَدْحِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ بِأَنَّهُ الَّذِي عَرَّفَ الشَّرْعُ أَنَّهُ لا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ وَلَا فِعْلِهِ وَلَا نَفْعَ مِنْ حَيْثُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ: احْتِرازاً عَمّا إذا تَرَكَ المُباحَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ لا مِنْ حَيْثُ تَرْكُ المُباحَ بَلْ مِنْ حَيْثُ ارْتِكَابُ المَعْصِيَةِ» (124/ 1)
4 - نظرية المندوب: وهو الذي طلب فعله مَعَ إِسْقاطِ الذَّمِّ عَنْ تارِكِهِ» (145/ 1).
ورد على من أخرجه من الطلب فقال: «وَقَالَ قَوْمٌ: المَنْدُوبُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الْأَمْرِ. وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ شَاعَ فِي لِسانِ العُلَماءِ: أَنَّ الْأَمْرَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرِ إِيجَابٍ وَأَمْرِ اسْتِحْبَابِ وَمَا