النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٧٣كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1373
وكان لرعاية المقاصد - كذلك - أثر أيضاً في هذا التكييف، وقد تجلى ذلك في حديثه عن الترجيح بين علل الأحكام، وفيه يقول: «وأما إذا كان حكم إحدى العلتين: العتق، وحكم الأخرى الرق فالمثبتة للعتق أولى؛ لأن تعلق الحرية بالقول ثابت بالشرع لا بالعقل، فهو من هذه الجهة حكم شرعي؛ ولأن العتق في الشريعة قوة، من حيث لا يلحقه الفسخ، فكانت علته أقوى»)، وهذا ترجيح صحيح محمود، وهو يتفق - من جهة - مع قول المعتزلة بحرية الإرادة، ونفي الإكراه كما سبق القول، ثم إنه يتفق - من جهة أخرى مع مقاصد الشريعة التي هي عدل كلها ورحمة كلها.
خاتمة
لعل هذه الخصائص التي استنبطت من النظر في كتاب المعتمد هي أهم ما يمكن استخلاصه منه، وهي دليل على ما ينبغي أن يكون لهذا الكتاب من مكانة كبرى بين كتب أصول الفقه، فهو من أكبرها حجماً، ومن أغزرها مادة، ولعله أوفى كتاب - في موضوعه - حتى عصره، وقد اتسم بهذه السمات المنهجية التي ترفع من قدره، وهو أسبق في التاريخ من بعض الكتب الكبرى كالإحكام لابن حزم والبرهان للجويني، والمستصفى للغزالي والمحصول للرازي، والإحكام للآمدي، وتدل بعض الدراسات المقارنة على أنه كان له تأثير في بعضها كالمحصول للرازي، ولعل دراسات أخرى تكشف عن تأثيره في بعض آخر منها، ومع هذا لا يتخذ الكتاب مكانه في الدرس الأصولي العام، مثلما تتخذ الكتب السابقة مكانها فيه، وربما كان لانحسار المذهب الاعتزالي تحت وطأة المذاهب الكلامية كالمذهب الأشعري والمذهب الماتريدي أثر في ذلك، ولكن الكتاب ـ مع بأن يكون موضع العناية والاهتمام في مجال علم الأصول عموماً، وفي مجال علم الأصول المقارن على وجه الخصوص، لا سيما إذا روعيت الشروط المنهجية في البحث العلمي كالاستقصاء للظواهر والمسائل، والأمانة في العرض، والإنصاف في الحكم، وقبول الحق ممن جاء به؛ وهذه كلها شروط ترفع من قدر هذا الكتاب وتؤدي إلى العناية به، حتى وإن خولف في بعض ما انتهى إليه من رأي، أو بعض ما قدمه من استدلال والحمد لله أولاً وآخراً (3).
جدير
ذلك
(1) المعتمد، 848/ 2 - 849، وقد وقع في النسخ الخطية اختلاف في قراءة كلمة قوة الواردة في النص المقتبس، فقرئت في نسخة فوقه، وقرئت في نسختين: قوة، وقد اخترناها لدلالة المعنى على ترجيحها، ثم إن كلمة النسخ يمكن أن تقرأ: النسخ، ولعلها أولى. (2) انظر مثلاً: دراسة د. طه جابر علواني محقق كتاب المحصول الذي يقول إنه أخذ بعض الفصول عن المعتمد وكتاب العقل عند الأصوليين مرجع سابق، ص 34، وانظر كذلك ما سبق أن ذكرناه ـ في أوائل البحث ـ من أقوال الذين ترجموا له.
(3) ذكرنا بيانات المصادر والمراجع في هوامش البحث؛ فلم نر ضرورة لإعادتها.