النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٧٢

1372

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

بما لا يتفق مع هذا الواجب، لأن سلامة أداء الواجب مشروطة بسلامة الوسائل، ولذلك لا

يصح

أنه

الرضا عن الغصب، حتى لو كان مجرد غصب للهواء؛ لأن مالك الدار أحق به، ولا خلاف في ليس للإنسان أن يشرع جناحاً من داره إلى دار غيره؛ لأنه ـ عندئذ - يشغل هواء دار غيره، ولا يصح - كذلك - أن يقال إن الصلاة تكون مقبولة متى استوفت شرائطها الشرعية «لأن من شروطها الشرعية أن تكون طاعة، وأن ينوي بها أداء الواجب، وليس هذان بحاصلين»، ولو افترضنا أنه يغتصبها بنفسه، ولكن اغتصبها أعوانه فإن صلاته لا تصح أيضاً؛ لأن استعانته بأعوانه في غصبها لا تخرج تصرفه فيها من أن يكون قبيحاً غير طاعة).

لا

لم

وهكذا أورد أبو الحسين من الحجج ما يسد كل الأبواب أمام قبول مثل هذه الصلاة، حتى وإن كانت في ذاتها طاعة، لأن الطاعة ينبغي أن تكون مقرونة ومصحوبة بما هو طاعة مثلها، لا بمعصية. ويطبق أبو الحسين هذا على فروع كثيرة منها عدم إجزاء صلاة من ستر عورته بثوب مغصوب، أو من ستر عورته بثوبين أحدهما مغصوب (2). ومنها: أن من طولب بردّ الوديعة أو كان غاصباً لشيء يصح له أن يتشاغل بالصلاة عن رد الوديعة أو رد ما هو مغتصب، وأن من فعل ذلك لا تصح صلاته إذا كان الوقت متسعاً، فأما إذا كان الوقت ضيقاً فإن صلاته تقبل للضرورة، لكن بشرط ألا يستضر صاحب الحق من التأخر بسبب الصلاة ضرراً شديداً، فإن استضر بذلك بطلت الصلاة، ومنها أن من صلى وهو يرى من يغرق أو يهلك بنار وهو قادر على إنقاذه ثم انشغل بالصلاة عن ذلك الواجب الخلقي فسدت صلاته، والوجه في كل هذه المسائل أن صلاته تكون في هذه المواضع قبيحة» (3). ثم هو يشير إلى مسائل أخرى كإزالة النجاسة بماء مغصوب والذبح والختان بسكين مغصوب أو الوضوء بماء مغصوب، أو الوقوف بعرفة على جمل مغصوب، مفرقاً بين ما يجوز من هذه الصور وما لا يجوز، وبين ما هو قبيح منها وما هو غير قبيح، وما النية التي تجعل الفعل مقبولاً وما النية التي تجعله غير مقبول. وهو يلاحظ في ما يذكره من هذه المسائل كون الفعل قُربة أو لا. فإن انتفت صفة القربة عن الفعل فإنه يكون غير مقبول، لأن القربة لا تتم بما فيه معصية، وينطبق ذلك على الذبح بسكين مغصوب بقصد التصدق باللحم، وعلى منع التصدق بماء مغصوب (4)

(4)

وهكذا يكون لتمحيص النية، ومراعاة الجانب الشرعي والخلقي فيها وفي ما يترتب عليها أثر مهم في تكييف ما يصدر عن المكلف من الأفعال، مع مراعاة الحسن والقبح وحفظ الحقوق والعناية بجوهر الفعل، لا بالشكل والصورة الظاهرة له.

(1) انظر: المعتمد، 1951 – 196.

(2) انظر: المصدر السابق، 196/ 1، وانظر ما أورده الإمام الأشعري من آراء للمعتزلة في هذه المسائل في كتابه: مقالات الإسلاميين، تحقيق: الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد مكتبة النهضة المصرية، ط 1969/ 2 ج 160/ 2 - 161.

(3) انظر: المصدر السابق، 196/ 1 - 197. (4) انظر مثلا المصدر السابق: 198/ 1 - 200.