النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٤

14

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

(النفس الزكية) في المسند والسير والفقهاء السبعة بالحجاز. وعندما بدأ الزمن الثاني بالإمام الشافعي كان بين يديه فقه الحجازيين وفقه العراقيين وفقه أهل الشام وفقه المصريين. ويبدو ذلك جليا في الورقات والرسائل التي جمعها في مسودات كتاب الأم، ويبدو أن التسمية ليست له بل هي لتلميذه البويطي. فالفائدة والمغزى من هذا المبحث الذي استنتجه ابن خلدون في مقدمته أنه اعتُمد لدى الدارسين في الأزمنة الحديثة، وذلك بأن النظرية تسبق النظام؛ فالنظرية ترسم الفكرة أو الأصل التصوّري للعلم، وبحسب مقتضيات الفرضية، أو النظرية يجري ترتيب مسائل العلم، أو مجالات بحثه. ونظرية فقه الشريعة أو فهمها، تحدّد الأصول أو الأدلة التي قامت عليها الشريعة، والتي يجب على الفقهاء وعلماء الشريعة الاستناد إليها في استنباط الأحكام.

ونحن نعلم منذ زمن أمرين اثنين وهما: أن النظريَّة لا تقوم إلا بظهور الحاجة إليها من الناحية العلمية والعملية، ثمَّ إِنَّ الأدلة أو الأصول لا تُطبَّق على النوازل مباشرة، بل إنَّ الفقيه يجعل القواعد واسطةً بين الجزئي والكلّيّ، لذا نرى أنَّ النظام الفقهيّ بنى التجربة التاريخية للفقهاء على شبكة معقدة تتضمن الأدلة أو الأصول، وتتضمن القواعد، وتحتوي ضمناً الأعراف السائدة في الأمصار، وتتضمن آراء واجتهادات الصحابة والقضاة والممارسات الإدارية والسياسية في القرنين الهجريين الأوّل والثاني. وعندما بدأت المذاهب الفقهية بالظهور في القرنين الثالث والرابع للهجرة، فإنَّ هذا الظهور - أو الخروج من المحلّي إلى الإسلامي العام - لم يكن نتيجة هذه العوامل جميعاً فحسب، بل نتاج قيام أمة واحدة، وثقافة واسعة ومتنوعة، ولكنها تمتلك أولويات كبرى تستجيب لسعة الأمة، وسعة دار الإسلام، شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الَّذِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنيبُ} [الشورى: 13].

تمتلك أمَّتنا موروثاً أخلاقياً تشريعياً هائلاً في إمكانياته وقدراته، مما بيس لنا المتابعة والتواصل، وإخراج الجديد النافع لأمتنا، ويعيننا على قراءة متجدّدة للنصوص، وقراءات جديدة للنظريات الفقهية ونظامها الفقهي، وقراءات نقدية للمناهج والطرائق التي تطورت لدى فقهاء الأمة، في تأمل النصوص وتنزيلها على الواقع الحيّ. إنَّها حواريَّة النص مع الجماعة والأمة في التجربة التاريخية الفقهية على أولويات الظروف. إنه التقليد الحيّ الذي يهبه النص الإلهي حيوية متجددة التي لا تنقضي إلا بانقضاء الزمان. ولذا فإن خطَّة هذا المؤتمر ضمن «تطور العلوم الفقهية»، تعنى ببحث خمسة مباحث كبرى وهي النظرية الفقهية العامة والنظريات الموضوعية والموضعية المتفرّعة منها مباشرة والقواعد والوسائط المعتبرة في الاستنباط في النظام الفقهي