النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٨١

القانون الطبيعي وقواعد العدالة من المنظور الإسلامي

د. برهام محمد عطا الله

181

خاتمة مبدئية

هكذا تنتهي زيارتنا في أعماق التاريخ تلك التي قمنا بها في هذه الدراسة المبدئية، والتي تفرض علينا فرض إحساس بالتواضع وفي الوقت نفسه تحثنا على الاستمرار في استجلاء موضوع مفصلي، يعتبر أهم موضوع في فلسفة القانون، بل في الفلسفة والقانون على العموم. إن النتيجة الأولية لهذه الدراسة هو إظهار التشابك والتداخل بين علوم طال فصل بعضها عن البعض الآخر. يكفي شعورنا بالتداخل الكبير بين علم أصول الفقه وعلم أصول الدين يكفي أن نتيقن من وجود التداخل العظيم بين المذاهب الفقهية ومدارس المتكلمين.

يظهر من هذه الدراسة بجلاء التأثيرات والخيارات المتعددة التي أدّت إلى انحياز مذهب معين إلى مدرسة معينة وليس إلى أخرى. يظهر لنا بجلاء مثلاً كيف أن المذهب الحنفي ارتبط بالماتريدية أكثر من ارتباطه بالأشعري، وكيف استطاع من خلال أدواته الفقهية أن يعظم من استخداماته للاستحسان، كما نرى كيف أن الماتريدية رغم ارتباطهم بالأشاعرة أكثر من ارتباطهم بالمعتزلة قد استطاعوا من خلال اعتقادهم في مبدأ الحسن والقبح العقليين تعظيم استخدام طرق الأدلة التي برع فيها أهل الرأي.

كذلك يمكن أن نجد من خلالها تفسيراً لاتجاه المالكية إلى الاستصلاح أو الصالح العام، أو المصلحة في تحقيق المقاصد الإسلامية، كما صاغها الشاطبي بعد فترة بعيدة من تكوين مذهب مالك في المدينة، وانتشاره في شمال أفريقيا والأندلس.

يجب

ألا ننسى معارك الحنابلة ومحنة أحمد بن حنبل التي كانت وبالاً على المعتزلة حين فقدوا تعاطف الناس، حين استخدمت السلطة السياسية رغم ما يقال إنها كانت مستنيرة) آراء المعتزلة لإجبار العامة على الإيمان بخلق القرآن.

يجب

والدرس الذي نستخلصه من هذه المحنة أنه هو أن نحرص على أن نتحرى عن أي معركة قد تفرض علينا، أو نساق إليها، وقد يراد بها هدم القواعد الأصيلة للفكر الإسلامي، وتمزيق

النسيج الإسلامي.

وفي النهاية أتمنى أن تكون هذه الدراسة مشجعة لبعض الباحثين بالاستمرار في تعميقها

وإثرائها، وتجاوز حدودها لتشمل بعض الجوانب التي رأينا عدم الخوض فيها في هذه المرحلة.