النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٨٠

180

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

باستيعاب الأفكار اليونانية والفارسية والأجنبية الأخرى التي حصل عليها أثناء اعتكافه وقدم مفهوماً وسطياً للعدل، وكان في ذلك متأثراً بأستاذه أبي المعالي الجويني (478 هـ/1085 م)).

كمفهوم

درس

ويري خدوري (ص 140) أن الغزالي لم يضع نظرية جديدة في العدل، ولم يشغل العدل، حيزاً مهماً في مؤلفاته»، فكل ما فعله هو تناول العدل من وجهة نظر أخلاقية بالدرجة الأولي. وأنه يمكن أن يعتبر مفهوم العدل لدى الغزالي مزيجاً من أفكار الوحي والعقل؛ لأنه العدل على مستويين: إلهي وبشري، مثلما فعل المعتزلة والفلاسفة، فالمرء لدى الغزالي يهتدي في سلوكه بالعدل الإلهي، وهو تعبير عن إرادة الله وبالعدل العقلي، وهو تعبير عن إرادة الإنسان الحرة التي منحه الله إياها، وأن الشريعة إذا كانت تحكم أفعال الإنسان الخارجية عن طريق الوحي الإلهي فإن العقل يحكم أفعال المرء من الداخل، وكلاهما أي الوحي والعقل يهدي الإنسان في سعيه إلى الخير والعدل، فبينما تحدد الشريعة المؤلفة من أوامر الله ونواهيه ما هو خير وعدل، يبين العقل لماذا تكون بعض القرارات عادلة، ولماذا يكون بعضها ظالماً؛ لأن الشريعة تبين نوع الواجبات، فبعضها يكون ملزماً شرعاً، والبعض الآخر يكون مندوباً، أي مستحسناً ملزماً أخلاقياً 3). ويتألف معيار العدل الأخلاقي كما وضعه الغزالي من أربع فضائل، هي: الحكمة، وهي ميزة عقلية يميز بها الإنسان بين الخير والشر، و الشجاعة، وهي ميزة القوة، ولكنها ليست: تهوراً، وليست جبناً، و: العفة وهي ميزة الاعتدال بأن يكون الإنسان وسطاً بين الشره المفرط والنفور، ثُمَّ: العدل، وهو ليس طبيعة واحدة، بل الفضائل مجتمعة هو كمال الفضائل الثلاث، ويتألف من حالة «الاتزان والاعتدال في السلوك، وفي إدارة الشؤون العامة والخاصة. وهو قبل كل شيء استعداد للإنصاف يحثّ الإنسان على اتباع ما يمكن القول إنَّه صراع العدل. وصراع العدل هو الصراط المستقيم. وصراط الشريعة الذي ينال الإنسان بفضله السعادة في الدنيا والآخرة (4)، ويقول الغزالي إنَّ نقيض العدل الجور الذي يمكن اعتباره ضرباً من الرذيلة».

وإذا كان المرء يحار في وصف فلسفة الغزالي المتعددة الجوانب والآراء المتضاربة التي تغيرت عبر سنوات عمره، فإننا نجد أنفسنا متجهين إلى القول بأن الغزالي قد يكون أثر في القديس توما الأكويني الذي عرضنا توجهاته في السابق.

ومن هنا فيمكن أن نقرر أن صاحب المنقذ من الضلال قد أسهم في تكوين فكرة القانون الطبيعي في العصر الوسيط الأوروبي من دون أن يستخدم هذا الاصطلاح.

(1) انظر خدوري ص

139

(2) ويشير خدوري هنا إلى الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، ص 43 - 44. (3) ويشير إلى المستصفى من علم الأصول، القاهرة 1937، ص 1 - 2، 7 - 35. (4) ويشير هنا إلى ميزان العمل، ص 294.