النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

نظرية التدرّج في الأحكام الشرعية المفهوم والمشروعية

183

أ. د. محمد كمال الدين إمام

أستاذ بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، جمهورية مصر)

الله الرحمن الرحيم

تمهيد

لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إنَّ التدرج من أكثر المفاهيم - على الساحتين الفقهية والفكرية - التباساً، لقد جرى التعامل معه - حديثاً ـ في سياق تداولي لم يفصل بدقة بين التدرج، والنسخ، والتغيير والتأجيل، ولم يفصل بدقة أيضاً بين التدرج بقصد التفهيم والتعليم، والتدرج في إطار «المأسسة والتنظيم، ولا التدرج من أجل الإعلام والتدرج القائم على الإلزام، ولم يفصل أخيراً

بين التدرج في الخطاب والتدرج في التطبيق والتنزيل، وهو ما أطلق عليه التدرج في التشريع.

إن التدرج في الخطاب الإلهي لم يكن قاعدة عامة في عصر الرسالة، فإذا كانت التشريعات المتعلقة بتحريم الخمر، وتقسيم الميراث، وفرضية الجهاد والقتال جاءت متدرجة لتهيئ النفوس وتجتاز عقبة الأعراف والعادات، فإن تشريعات أخرى تتعلق بقيم الجماعة العليا جاء التحريم فيها قاطعاً من أول وهلة، كما في القتل والسرقة والزنا وأكل أموال الناس بالباطل. صحيح أن آيات التهذيب والتوحيد جاءت في التشريع المكّي، وغالب آيات الأحكام الجزئية جاءت في التشريع المدني، إلا أنه ينبغي - كما يقول صبحي الصالح بحق - أن نفرق بين تأخير البيان لوقت الحاجة وبين تدرج التشريع، فقد أخر الله بيان أحكام كثيرة من حرام وحلال وأوامر ونواه، ولكنه حين أراد بيانها أمضى حكمه فيها مرة واحدة ولم يدع فيها للتدريج مجالاً، فالتدرّج والقطع كلاهما من منهج القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية في الخطاب، وكلاهما من رحمة الله بعباده الذي يقول جلّ في علاه يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]، وقد ارتبط التدرج في مرحلة الوحي بفكرة النسخ، ومعظمه وقع في المدينة لمقاصد أشار إليها الإمام الشاطبي»، بقوله: وتأمل كيف تجد معظم النسخ إنما هو لما كان فيه تأنيس أولاً للقريب العهد بالإسلام واستئلاف