النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٨٤184
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
لهم، مثل كون الصلاة كانت صلاتين ثم صارت خمساً، وكون إنفاق المال مطلقاً بحسب الخيرة في الجملة ثم صار محدوداً مقدراً، وأن القبلة كانت بالمدينة بيت المقدس ثم صارت الكعبة … وأن الطلاق كان إلى غير نهاية على قول طائفة، ثم صار ثلاثاً … ، إلى غير ذلك مما كان أصل الحكم فيه باقياً على حاله قبل الإسلام ثم أزيل، أو كان أصل مشروعيته قريباً خفيفاً ثم أحكم». وقبل «الشاطبي» ربط الإمام «الشافعي» في «الرسالة» مقاصد النسخ بالرحمة والتخفيف، والتوسعة، ومن هنا تنبثق عدة ضوابط للعملية الاجتهادية في تنزيل الأحكام الشرعية وفق مقاصدها، فالنسخ علم كاشف عن كثير من أسرار الشريعة من حيث سريان مقتضياتها على المكلفين، ومن هذه الأسرار التدرج في التعامل مع المخاطبين بالتكليف، وهذا لا يخل بكون الخطاب القرآني وإن نزل منجماً، وعلى أسباب خاصة في بعض الأحيان إلا أنه لم يقتصر على الواقعة التكليفية الأولى، وإنما كانت الواقعة نموذجاً أظهر فيه القرآن الكريم المقصد منه؛ كي يعم هذا الحكم مهما توفرت تلك العلة وتحقق ذلك المقصد، لذلك جرت الأحكام الشرعية على عموم المكلفين في كل الأزمنة والأمكنة والأحوال؛ إذا لم يدل دليل على التخصيص وهو قليل، ومن هنا قال «الشاطبي»: إن كل دليل شرعي يمكن أخذه كلياً، وسواء علينا أكان جزئياً أو كلياً إلا ما خصه الدليل.
وأصل العموم في التشريع ثابت بأدلة كثيرة فهو من المعاني المقطوع بها نقلاً وعقلاً، وهذا التعميم المجرد يرتبط فيه - عند التنزيل - الحكم التكليفي بالحكم الوضعي في ظل مبدأ التيسير الذي اعتمد في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة، وأصبح منهجاً في الفتوى منذ القرن الثاني الهجري في المذاهب الإسلامية المتعددة، فلم يكن التشدد غاية، ولا العسر طريقاً في فهم التشريع وتطبيقه.
يروي «الدرجيني» في «طبقاته» عن الفقيه الإباضي وائل بن أيوب الحضرمي»، وهو من فقهاء القرن الثاني الهجري - عاش بالبصرة وعاصر «الربيع بن حبيب» - يروي عنه قوله: «إن الفقيه هو الذي يعلم للناس ما فيه ما يسألونه عنه، وأما من يضيق عليهم، فكل من شاء
أخذ بالاحتياط».
يسع
وسوف تعالج هذه الورقة الموجزة نظرية التدرج في مبحثين:
المبحث الأول: التدرج ومفاهيمه.
المبحث الثاني: التدرج المشروع.