النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣203
|
نظرية البغي ومفاهيم البغاة والسياسة الشرعية
قراءة ومراجعة د. رضوان السيد
الإباضية ما عانوا من تتبع السلطات فقط (والتي اضطرتهم للهجرة أو العودة إلى عُمان وتأسيس الدولة العادلة، وإلى المغرب للهدف نفسه، بل عانوا أيضاً من تتبع المتشددين والمتطرفين من المحكمة، الذين كانوا يسمونهم بالقَعَدة؛ لكنهم رغم ذلك أصرُّوا على الصمود عند المعارضة في ما دون السيف. وما أفادهم ذلك شيئاً كما سبق القول، لدى عبيد الله بن زياد والحجاج، ومَثَلُ أَبي بلالٍ مرداس بن أُدية وأخيه خير دليل على ذلك. فقد قاوما المتشددين من أهل الاستعراض، واستمرا في حضور صلوات الجمعة والجماعة مع ممثلي السلطات، كما أصرًا على نقد مظالم الولاة علناً، فقتل عُبيد الله بن زياد عروة في بيته، وترك أبو بلال أخوه المدينة إلى الجبال معتزلاً، فقاتلوه حتى قتلوه
(1)
وهكذا فإنّ المسألة في أذهان أهل الورع والفقه، أنهم ما استطاعوا إيجاد «الحد الأوسط» بين
حفظ المسافة من السلطة من جهة لممارسة النقد والدعوة للإصلاح سلماً، واللجوء إلى السلاح لإنكار المنكر. ولأنّ الوحدة الاجتماعية والسياسية ظلّت هماً مقلقاً لديهم، فقد اختاروا بعد لأيِ الطاعة والجماعة تجنباً للفتنة والانقسام. والمشكلة أنه ما كانت هناك سابقة لمعارضة سلمية استطاعت التغيير دونما عنف، منذ - قتل المعارضة المسلحة لعثمان بن عفان في منزله واجتياح المدينة، وإلى قتل عليّ للمحكِّمة المعتزلين، فإلى قتل معاوية وزياد لحجر بن عدي وأصحابه، فإلى مقتل معتدلة المحكّمة (أبي بلال وأخيه). وقد تتبع مايكل كوك في كتابه الشهير: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي حديث المنازل الثلاثة فوجده قد صار قاسماً مشتركاً لدى الفقهاء والمحدثين منذ القرن الثالث الهجري (3). لقد تمثلت إنجازات المحدّثين والفقهاء في ما بين القرنين الأول والثالث في مسألة الأخلاقية والسياسية بما يلي:
أ - متابعة تغير طبيعة السلطة من الخلافة الراشدة إلى المُلْك العضوض.
ب
ج
د-
-
-
المعارضة
الاعتراف للساخطين بالحق في المعارضة السلمية دونما حمل للسلاح مهما بلغ الحال. محاولة حماية المعارضين نفساً ومالاً وأعراضاً وحرياتٍ ولو حملوا السلاح من طريق التفرقة القاطعة بينهم وبين المُحاربين.
الاستمرار منذ كتاب الأُمّ للشافعي (- 204 هـ) وحتى العصر العثماني (إلى القرن الثامن عشر الميلادي الثاني عشر الهجري في عقد أبواب في كتبهم للبغاة وأحكامهم. وقد كان ذلك لتحقيق أمرين: تعليم الناس أنَّ حقهم في المعارضة قائم بنص القرآن، وإشعار السلطات
(1) قارن بتاريخ الطبري، 312/ 5 - 314، 470 - 471.
(2) تاريخ الطبري، 253/ 5 - 278.
(3) مايكل كوك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مرجع سابق، ص 575 - 601.