النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٤24
24
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
فنحن حينما نجتمع يلقي كل باحث منا بحثه، ولكنه لا يجد أثراً للبحوث الأخرى، فهذه الثروة العظيمة التي كوّنتها هذه الندوات الفقهية لهي أمر مبارك وعظيم يعتز به المسلمون في كل الأقطار، ويكون درة وتاج عمل السلطنة لتفعيل الفقه الإسلامي، وإحاطته الأحداث، والأزمنة بجميع الله والأمكنة لنحقق وعد فينا، وإلا كنا نظريين منذ النصف الثاني من القرن الماضي، ونردد هذا، ونحاول اكتساب مشاعر الآخرين، لكن نجد أمام هذه الغاية، موانع وقوامع تمنع من أن يظهر تاج الفقه الإسلامي مفضلاً على القوانين المستوردة من الغرب أو غيره، هذا أول أمر أشكر عليه
السلطنة العظيمة.
والأمر الثاني الذي فيه ظاهرة التجديد هو أن أولئك السادة الأفاضل الذين يضعون هذه البرامج، وهذه المناهج، وبخاصّة هذا العام المتميز بالعناية بالتنظير والتقعيد، هذا العمل الكريم، بحق يعد عملاً جيداً ومهماً بسبب تنوع الدعوات كل عام إلى مجموعة من السادة العلماء من كل مصر وقطر، ففي كل عام نجد وجوهاً جديدة، وفي كل سنة نجد لوناً عظيماً مشرقاً من الفكر المتقد، والبحث الجاد، فهذا بحق يعد مستوجب الشكر لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والذي يستدعي إكمال الطريق - إن شاء الله تبارك وتعالى - إن كتب لنا في العمر بقية. إخواني، أساتذتي، أصحاب المعالي - الذين بيدهم القرار -، أرجو أن تفعل آثار ونتاج هذه الندوات ليستفيد منها الآخرون، وألا تكون حبيسة الأدراج، ويعتز بها الإنسان في ذات نفسه، ولكنه يسعد إلا إذا وجدت هذه الندوات طريقاً إلى التطبيق، وإعمالها في مجال القوانين التي تطبق
لا
في البلاد.
كنت ـ دائماً وما زلت - أستغلّ لقائي بالرؤساء، وأطالبهم بهذا المطلب الكريم، فلا أجد أذناً مصغية، وكأنهم يقولون بلسان الحال: لقد أصبح هذا من مطويات التاريخ، والآن نحن أمام غزو حضارة ينبغي أن نتفاعل معها. وأقول في نفسي: أي حضارة بنيتموها في ظل هذه القوانين!؟ ما بنيتم إلا القتل والتشريد والدمار والتخلّف والإبادة الجماعية، وانتهاك حقوق الإنسان في كل مكان، ديننا خير دين يحقق للناس قاطبة هذه المعاني الكريمة، من دون فتح أي مجال لعنصرية أو طائفية أو مذهبية، كل فقهائنا ترمق أنظارهم إلى مثل هذا؛ لذلك فنحن سنسير على الدرب لندرك أن الحضارة السامقة، وأن الوسطية والاعتدال، وأن حفظ حقوق الآخرين - أياً كانت انتماءاتهم أو نحلتهم أو أديانهم - فالإسلام كفيل بتحقيق العدل بين الجميع؛ ولذلك أسعد ما سمعت من أستاذ قبطي - حينما كنت معه أدرس في ليبيا ـ حينما قال لي كلمة صادقة: نحن أشد الناس حماسة لتطبيق الشريعة الإسلامية؛ لأن الشريعة تكفل لنا حقوقاً لا نجدها في ظل القوانين الوضعية.