النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٥

كلمة المشاركين

للدكتور الشيخ وهبة الزحيلي

25

وهو

الفقه

فسعدت بهذا الكلام، وصرت أردّده منذ أكثر من ربع قرن؛ لأن الواعين يريدون أن تكون لهذه الشريعة فاعلية ليسعد الإنسان، وتسعد الأمة وتتقدّم، ولا يكون فيها ترنّح أو تخلّف، أو خزي أو عار للبطش بكل القيم، سواء أكانت مستوردة من الغرب أو من الشرق، أو كانت معمّقة في تاريخ الإسلامي. لكل هذا - أيها السادة الأفاضل - أرتقب من هذا الجمع الكريم، ومن كل أن فقهي مجمع يكون له تفاعل مع هذه المعاني، وأن ينقل ما تفرزه أدمغة الفقهاء في كل عام ليجد سبيلاً له للتطبيق، وأعلم أن هناك عقبات أمام هذه المساعي، ولكن المؤمن لا ييأس، والمؤمن دائماً يطمح إلى تحقيق الغايات الكبرى، مهما عصت الأمور، ومهما استحكمت الخلافات وكل ذلك بسبب بعد هؤلاء جميعاً عن هدي الله - جل جلاله - الذي قال في محكم كتابه: ﴿سَنُرِيهِمْ وَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]، هذا هو النداء الذي انحسر في التطبيق لدى الإسلاميين أولاً، ولدى الممانعين ثانياً، فعلينا أن نحيي رياض الفقه، والتجديد الفقهي القائم على الجمع بين النظرية والتطبيق، وبين التجارب الفقهية التي تزّعمها الإمام الأعظم أبو حنيفة، وبين التنظير لهذا، ما نجده في مدرسة الإمام الشافعي. ثم كان المصير أن اتفقت الأمة على الدمج بين الاتجاهين، وأنه لا يمكن أن تفصل النظرية عن الواقع، ولا أن تحيا المبادئ إلا في ظل التجارب والوقائع؛ ولهذا فإن الفقه الإسلامي فقه الواقع، وليس فقه الخيال، ولا الفلسفات التي نجدها لدى الرومان واليونان، وغيرهم من الذين نظروا للبشرية وكانت ترتع - ولا تزال - في الظلم والتنكيل، والبعد عن هداية فطريقنا جميعاً هو تفعيل هذا الهدي الإلهي، على أن يكون فقهنا في الطليعة. من هنا نجد أناساً يشككون فيما كان هؤلاء الإسلاميون سيتفردون في وضع الدساتير!! أما علموا أنهم ظلموا لأكثر من خمسين عاماً؟ قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]، هذه كلها تشكيكات، وهروب بعض المرشحين من هنا هناك؛ لأنهم وجدوا أن آمالهم الشيطانية لن تجد مجالاً في ظل العمق الإسلامي النزيه، الذي يحقق للناس جميعاً آمالهم وتطلعاتهم. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يجعل فيكم الخير، وأن يجزي عنا هذه السلطنة لما لمسناه من كرم الوفادة وحسن الضيافة والإنفاق السخي لتنجح هذه الندوات، جزاهم الله عنا خير الجزاء.

الله،

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.