النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٨٣

283

|

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

وهي

2 - إن الإسلام إذا حرم شيئاً فصل فيه حتَّى يبقى ما عداه على الإباحة، وهذه القاعدة العامة، أن الأصل في الأشياء والأنشطة الاقتصادية ونحوها - غير الشعائر التعبدية ـ الإباحة، مؤكدة بمجموعة من القواعد العامة وهي: اليقين لا يزول بالشك» و «الأصل براءة الذمة» و «الأصل العدم أي عدم التكليف وغيره، أي أن إثبات الحكم يحتاج إلى دليل). وقد ذكر الإمام السيوطي عدداً كثيراً من الأدلة على أن الأصل في الأشياء الإباحة حتَّى يدل الدليل على التحريم، وخرّج عليه مسائل كثيرة، واستثنى منه الأبضاع فقال: «الأصل في الأبضاع التحريم». فهذه القاعدة تجعل ما عدا المنصوص عليها باقياً على أصل الإباحة، ولا يستثنى منه إلّا ما دل دليل على حرمته أو وجوبه، أو كراهته أو ندبه، وبالتالي فإن تأثير المصالح في المستجدات بالحل تأكيد لهذا الأصل، وأن تأثير المفاسد بالحرمة معضد بالقواعد العامة في الشريعة القاضية بحرمة المفاسد والمضار والخبائث التي تفوق مفسدتها ومضرتها، وخبثها على المصالح والمنافع والطيبات.

وبهذا الضبط تصلح المصالح المرسلة لتصبح دليلاً معتبراً، وإلا فيحدث فيها اضطراب، وإفراط وتفريط، حيث أهملها البعض، وأعطاها البعض الآخر دوراً كبيراً، وجعلها دليلاً مطلقاً مستقلاً، وكلا الرأيين مجاف للحق، فالمصالح معتبرة بشرط ألا تتعارض مع نص ثابت.

3 - إن ميزان تأثير المصالح والمفاسد في الحل والحرمة في العادات والمعاملات غير المنصوص عليها هو كالآتي:

أ

ب

-

إن ما هو ضرر محض ومفسدة مطلقة، وخبيث واضح فهو حرام.

إن ما هو منفعة محضة، ومصلحة خالصة، وطيب فهو حلال. ج - إن ما اجتمع فيه الأمران السابقان ينظر إلى الغالب والأكثر والأقوى، فإن كانت منفعته أكثر، والمصلحة فيه أظهر، والطيب فيه أوضح فهو حلال، وإن ما كانت مضرته أكثر، ومفسدته أقوى، وخبثه أوضح فهو حرام.

وقد أخذت هذه القاعدة من قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرُ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]، فقد أوضح الله تعالى هنا منهج التشريع بأنه تابع للأكثر والأقوى،

فعلينا أن نتبعه في الاجتهاد بقدر الامكان.

(1) يراجع: الأشباه والنظار، ص 118 - 139.

(2) يراجع الأشباه والنظائر، ص 135.