النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٦٩

نظرية الضرورة وتطبيقاتها

أ. د. وهبة مصطفى الزحيلي

369

والعسر (وهو) مشقة تجنب الشيء)، وعموم البلوى (وهو شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص أو الابتعاد عنه كلاهما من أسباب التخفيف، ويحكم ذلك قواعد الضرورة القصوى سواء في العبادات أو المعاملات.

مشروع القرار

الضرورة أو الحاجة العامة مبدأ أصيل في الشريعة يمكن الأخذ به استثناء من أحكام الشريعة فيباح المحظور، ويرفع الإثم عن المضطر، ويترك الواجب أو يؤخر، إذا توافر مفهوم كل منهما وضوابطهما الشرعية، وحينئذ وفي حدود ضيقة فقط يمكن العمل بمقتضى الضرورة؛ لأنَّ الضرورات تبيح المحظورات.

وتقدر الضرورة أو الحاجة بقدرها لما دلت عليه نصوص الشريعة في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة من مشروعية الأخذ بالضرورات في الغذاء والدواء ونحوهما، ومنها: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 1173]، على أن يعمل بالضرورة، وفي مظلة أو حال احتمال التعرض للهلاك جوعاً أو عطشاً، أو الوقوع في المشقة غير المعتادة أو غير المألوفة التي تفسد على النفوس تصرفاتها وأوضاعها وتوقعها في الحرج والضيق.

وتراعى المصالح العامة في ضوء مقاصد الشريعة المعروفة، ومعيار المصلحة بتقدير الشرع، لا بحسب الأهواء أو عقول بعض الناس، لقوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71].

وللإكراه الملجئ إحدى حالات الضرورة أحكامه من إباحة الفعل موقتاً، كتناول الخمر، أو

الترخيص من غير إباحة، كالنطق بالكفر، لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالْإِيمَنِ) [النحل: 106]، وقد تتوقف الإباحة على إذن صاحب الحق كإتلاف المال، وقد لا يباح الشيء أصلاً كالقتل والجرح وارتكاب الفاحشة، والإضراب عن الطعام حتى الموت.