النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٦٨368
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الشرعية، حتّى لكأن الاستثناء صار هو القاعدة أو الأصل، والأصل أو العزيمة صار هو الاستثناء، وهذا قلب للمعايير ونسف لأحكام الشريعة العامة، وتصيد للحيلة، سواء أكانت مشروعة أم ممنوعة.
فليس كل من ادعى الضرورة يغتفر له العمل بها، لعدم انطباق معايير الضرورة أو الحاجة العامة أو ضوابطها على المسألة المعروضة، كما أن من رغب بالأخذ باليسر خلافاً لما قررته الشريعة من قيامها على مبدأ دفع الحرج، يعذر في تهاونه أو صنعه.
وليس الترغيب في الشريعة هو الأصل، فقد ينقلب الأمر، ويصبح التهاون ذريعة للتحلل من أحكام الشريعة، وحينئذ يريد منا أصحاب المصالح أن نفتيهم بأهوائهم.
فليتق
الله تعالى أهل الفتوى الوالغون بالأخذ بالقواعد العامة، وترك تفاصيل الأحكام الشرعية المنصوص عليها صراحة. أما التأويل وذريعة التيسير فغالب الحالات غير مقبول فيها التهاون أو
الترخيص.
فالضرورة هي
ما يترتب على مخالفتها خطر أو احتمال الوقوع في الهلكة. والحاجة العامة قريبة الشبه بالضرورة، وهي التي يترتب على الاستجابة لها الوقوع في الحرج والمشقة أو العسر
والصعوبة.
والمصلحة المرعية هي المنفعة التي تكون من جنس المصالح التي بنى الشرع الحكم عليها من حفظ الدين والنفس والعقل والنسب أو العرض والمال.
إننا حريصون على مراعاة ظروف المضطرين في أساسيات الحياة من المطعم والمشرب، والملبس، والكسوة، ولكن ضمن معايير الشريعة ومن دون تفلت منها.
ويترتب على وجود الضرورة أو الحاجة إذا توافر مفهوم كل منها بدقة، هو رفع الإثم عن المضطر، ومنح المضطر أو المحتاج العمل ببعض الرخص الشرعية؛ لأنَّ الضرورة أو الحاجة تقدر
كل واحدة منهما بقدرها.
وعلى العالم التقيد مبدئياً بما يترتب على الإكراه إحدى حالات الضرورة من الأحكام الأربعة
المذكورة في البحث. وللإكراه أحد حالات الضرورة ظروف خاصة وأحكام يجب التقيد بها. وكذلك للمشقة أثر في تيسير الأحكام ضمن ضوابط وقواعد، وفقه الموازنات بالتعبير الحديث ثم الترجيح، هو ما أبانه علماء أصول الفقه من بيان قواعد التعارض وأساليب الترجيح بينها، وعلى المفتي المرجح التزام القواعد الشرعية والاستنارة بمقاصد الشريعة، لا التفلت من أحكام
النصوص، قطعية كانت أم ظنية، فلكل اتجاه قواعد وضوابط.