النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٩٥نظرية تحمّل التبعة
د. هلال بن محمد بن ناصر الراشدي
(عضو المكتب الفني بالمحكمة العليا، سلطنة عُمان
395
الحمد
الله الرحمن الرحيم
مقدمة
لله الذي هدانا للإسلام، وبين لنا الحلال والحرام والصلاة والسلام على حبيبنا سيدنا محمد القائل: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه
وسلم أجمعين.
الله
إن
خلق الإنسان كائناً اجتماعياً بطبعه مدنياً بفطرته، لا يمكنه أن يعيش بمفرده، فهو ناقص بذاته كامل ببني جنسه، فكل فرد من بني البشر يسد نقص غيره ويسد نقصه بهم. وهذه الطبيعة في بني البشر تستلزم نظاماً يضبطها وقانوناً يحدّها؛ كي لا تطغى مصلحة على أخرى، أو يلحق شخص الضرر بغيره، ولقد عرفت المجتمعات على مر العصور تطوراً في المبادئ والأسس التي تقوم عليها مسؤولية الفرد عن تصرفاته، فلم تعد عادات الأخذ بالثأر ومعاقبة الشخص بجريرة
غيره مقبولة.
إن البحث في موضوع المسؤولية المدنية من أهم الموضوعات؛ وذلك لأن تعامل الإنسان مع بني جنسه ينتج عنه في الواقع منازعات وخصومات يومية، فلا بد من وضع حلول وأنظمة تحفظ حقوق أفراد المجتمع وتضمن عدم تعدّي كل فرد منه على الآخر.
ونظراً لأن الموضوع المسند إلي بحثه يحمل عنوان «نظرية تحمّل التبعة»، وهذا مصطلح قانوني حديث لم يعرف عند فقهاء الشريعة بذات الفهم عند فقهاء القانون، ففي مصطلح القانون يراد به تحمّل المتبوع مسؤولية عمل تابعه، بينما فقهاء الشريعة يحملونه على معناه الواسع بحسب مقتضيات اللغة، فالتبعة معهم بمعنى المسؤولية، ولهذا سيقتصر هذا البحث على معناه القانوني، وهو مسؤولية المتبوع عن عمل تابعه.