النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٢٦426
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
من خلال ما استعرضناه من مواقف فقهاء الشريعة وفقهاء القانون يتبيّن لنا أن فقهاء الشريعة المناهضون لنظرية تحمّل التبعة يعتمدون على أساس أنه لا يصح أن يحمل أحد ضمان فعل غيره، وفهموا أن المتبوع هو الذي يتحمل الضمان إلا أن في الحقيقة عند فقهاء القانون المتحمّل للضمان هو التابع وليس المتبوع؛ لأن المتبوع في النهاية يرجع في ما دفعه على التابع.
وبقي أن نبحث عن السند الذي سوغ مساءلة المتبوع، وجعله كفيلاً يتحمل دفع الضمان للمتضرر، والجواب يمكن أن نجد ذلك من خلال تطبيق قاعدة المباشر والمتسبب، فإن التابع هو المباشر والمتبوع هو المتسبب، وذلك إن اعتبرنا تقصيره في المراقبة سبباً في وقوع الضرر، والقاعدة الضمان على المباشر لا المتسبب. إلا أنه إن تعذر على المضرور أن يحصل على التعويض
من المباشر جاز له أن يطالب المتسبب، وهذا الأخير يرجع على المباشر في ما دفعه عنه. إلا أن في قواعد الفقه الإسلامي أن المتبوع الأصل فيه أنه غير مقصر في الرقابة، وعلى المضرور أن يثبت ذلك، ومن باب أولى إن استطاع المتبوع أن يثبت أنه لم يقصر في الرقابة والتوجيه؛ فإنَّه ينتفى عنه الضمان، غير أنّ القانون قلب هذه القاعدة فافترض خطأ المتبوع بقرينة لا تقبل إثبات العكس.
وإذا طبقنا قواعد مسؤولية الأجير، نجد أن التابع وفقاً لنظرية تحمل التبعية، لا ضمان عليه إن لم يتعد؛ فهو يكيف على أنه أجير خاص، وليس أجيراً عاماً؛ لأنَّه يعمل تحت إشراف رب العمل، فالأصل لا ضمان عليه إلا بالتعدي وإنما الضمان على رب العمل بوصفه أجيراً عاماً، وبناء على هذا، فإن ما يدفعه رب العمل من ضمان ليس له أن يرجع فيه على العامل، وهذا خلاف ما عليه
القانون.
هذا الذي تبين لي في ما يتعلق بنقاط الاتفاق والاختلاف بين فقهاء الشريعة وفقهاء القانون، وهنالك مسألة أخرى تحتاج إلى مزيد من البحث والتحقيق، وهي مسألة الضمان أهو ذات موجب الضرر أم لا بد من ثبوت الخطأ من مرتكب الفعل الضار، وما هو معيار الخطأ، وهل الخطأ مفترض وعلى من وقع منه الفعل الضار أن يثبت عدم تعديه وتقصيره، أو أن الأصل عدم تعدي وتقصير ممن وقع منه الفعل الضار بوصفه أميناً، وعلى المضرور إثبات ذلك.
وفي الختام أعتذر عن التقصير وعدم إعطاء البحث حقه في التحقيق والتمحيص، وخاصة في الجانب الفقهي منه، وذلك لضيق الوقت وكثرة المشاغل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.