النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٣٣

فقه السنن الكونية والسنن التشريعية

أ. د. العروسي الميزوري

533

من

في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات. وكذلك الأعمى أيضاً يسقط من الوجود عنده صنف المسموعات، ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافّة لما أقروا به لكنّهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم، ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق، لوجدناه منكراً للمعقولات وساقطة لديه بالكلّية. فإذا علمت هذا فلعل هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا؛ لأنّ إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق النّاس والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقاً ذلك، والله من ورائهم محيط فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر، واتّبع ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنّه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك. وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينيّة لا كذب فيها. غير أنّك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهيّة، وكلّ ما وراء طوره، فإنّ ذلك طمع في محال. ومثال ذلك: مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك. على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدّى طوره، حتّى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنّه ذرّة من ذرّات الوجود الحاصل منه. وتفطّن من هذا الغلط من يقدّم العقل على الشمع في أمثال هذه القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبيّن لك الحق من ذلك. وإذا تبيّن ذلك، فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا، خرجت عن أن تكون مدركة، فيضل العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع. فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيراتها، وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها، إذ لا فاعل غيره. وكلّها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته، وعلمنا به إنّما هو من حيث صدورنا عنه لا غير).

هكذا، نخلص ممّا تقدّم بسطه من محدّدات عامة وجزئيّة، نظريّة وعمليّة، فكرية ومعرفية، ذهنية وسلوكيّة إلى أنّ التّرابط بين السنن الكونيّة والسّنن التشريعيّة ترابط عضوي؛ لأنّ السنن الكونيّة تؤدّي من طريقي التأمل والاعتبار إلى إدراك النظام العام: نظام الطبيعة والعالم والكون الذي يؤدي بدوره إلى قراءة إيمانيّة تتأسس على الحكمة من الخَلْقِ والخَليقة. ويجري الأمر نفسه على السنن التشريعية؛ لأنّ قراءة العقل الإنسانيّ تُخْصِبُ فهماً نظاميّاً للثابت والمتحوّل يؤدي بدوره إلى قراءة عقليّة تُرْسِمُ الحِكمة من النظام والتنظيم.

(1) ابن خلدون المقدّمة، بيروت، دار الفكر الكتاب الأوّل، الباب السادس الفصل العاشر، ص 580 - 583.