النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٣٢532
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ويفيدنا العلّامة
التصوّرات هي
إنما هي
عبد الرّحمن بن خلدون في هذا السياق نفسه: « … اعلم أنّ الحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشريّة أو الحيوانيّة، فلا بدّ لها من أسباب متقدّمة عليها بها تقع في مستقرّ العادة وعنها يتمّ كونه وكلّ واحد من تلك الأسباب حادث أيضاً، فلا بد له من أسباب أخرى. ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبّب الأسباب وموجدها وخالقها، لا إله إلّا هو سبحانه وتلك الأسباب في ارتقائها تتضاعف فتنفسح طولاً وعرضاً، ويحار العقل في إدراكها وتعديدها. فإذا لا يحصرها إلّا العلم المحيط، لا سيّما الأفعال البشريّة والحيوانيّة، فإنّ من جملة أسبابها في الشاهد القصود والإرادات، إذ لا يتم كون الفعل إلا بإرادته والقصد إليه. والقصودات والإرادات أمور نفسانيّة ناشئة في الغالب عن تصوّرات سابقة، يتلو بعضها بعضاً. وتلك أسباب قصد الفعل. وقد تكون أسباب تلك التصوّرات تصوّرات أخرى، وكلّ ما يقع في النفس من التصوّرات فمجهول سببه، إذ لا يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية، ولا على ترتيبها. أشياء يلقيها الله في الفكر، يتبع بعضها بعضاً، والإنسان عاجز عن معرفة مبادئها وغاياتها. وإنّما يحيط علماً في الغالب بالأسباب التي هي طبيعة ظاهرة، وتقع في مداركها على نظام وترتيب، لأنّ الطّبيعة محصورة للنّفس وتحت. طورها وأما التصوّرات فنطاقها أوسع من النفس؛ لأنّها للعقل الذي هو فوق طور النّفس، فلا تكاد النّفس تدرك الكثير منها فضلاً عن الإحاطة. وتأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النّظر إلى الأسباب والوقوف معها، فإنّه واد يهيم فيه الفكر ولا يخلو منه بطائل، ولا يظفر بحقيقة. قل الله، ثمّ ذرهم في خوضهم يلعبون. وربّما انقطع في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلّت قدمه، وأصبح من الضالين الهالكين. نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين. ولا تحسبن أنّ هذا الوقوف أو الرّجوع عنه في قدرتك أو اختيارك، بل هو لون يحصل للنّفس وصبغة تستحكم من الخوض في الأسباب على نسبة لا نعلمها. إذ لو علمناها لتحرزنا منها، فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة. وأيضاً فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبباتها مجهول؛ لأنّها إنّما يوقف عليها بالعادة، وقضيّة الاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة، {وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة، والتوجه إلى مسبّب الأسباب كلّها وفاعلها وموجدها، لترسخ صبغة التوحيد في النّفس، على ما علمنا الشارع الذي هو أعرف بمصالح ديننا، وطرق سعادتنا، لاطلاعه على ما وراء الحس. قال صلى الله عليه وسلم: «من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنّة». فإن وقف عند تلك الأسباب، فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحداً بعد واحد، فأنا الضامن إلّا بالخيبة، فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1 * * * - 4. ولا تثقن بما يزعم لك الفكر منّي أنّه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كلّه، وسفه رأيه في ذلك. واعلم أن الوجود عند كلّ مدرك في بادئ رأيه أنّه منحصر
له ألا
يعود