النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٦٥

نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي

د. أحمد أبو الوفا

565

أولاً: إنه لم يتم الإذن بالقتال في بداية نزول الرسالة المحمدية، وإنما تم الإذن به بعدها بمدة لما استمر الاعتداء على المسلمين وتشريدهم وإجبارهم على الهجرة.

يقول أبو بكر: «لم تختلف الأمة أن القتال كان محظوراً قبل الهجرة بقوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّتْهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا ذُو حَظِّ عَظِيمٍ. وقوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَح، وقوله: {وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وقوله: {وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، وقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا). كذلك فإن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له كانت لهم أموال بمكة فقالوا: يا رسول الله، كنا في

عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم». ثانياً: ما حكاه ابن أعثم تحت عنوان: «ذكر الحبشة وما كان من غاراتهم على سواحل المسلمين». من أن عثمان بن عفان: بلغه أن قوماً من الحبشة أغاروا على بعض سواحل المسلمين، وأصابوا منهم أموالاً، وسبوا منهم سبياً كثيراً، فاغتم لذلك عثمان غمّاً شديداً، ثم أرسل إلى جماعة من الصحابة وغيرهم من المسلمين، فدعاهم واستشارهم في غزو الحبشة فأشار عليه المسلمون يغزوهم في بلادهم، ولا يعجل عليهم حتى يبعث إلى ملكهم فيسأله عن ذلك، فإن كان الذي فعله أصحابه عن أمره ورأيه، هيأ له المراكب وأرسل إليه بالجند والمقاتلة، وإن كان ذلك من سفهاء أغاروا على سواحل

ألا

المسلمين عن غير أمر ملكهم ورأيه، أن يشحن السواحل بالخيل والرجال حتى يكونوا على حذر. فعمل عثمان على ذلك، ثم دعا محمد بن مسلمة الأنصاري، فوجه به إلى ملك الحبشة في عشرة نفر من المسلمين يسأله عما فعل أصحابه، وكتب إليه عثمان بن عفان في ذلك كتاباً. فلما قدم محمد بن مسلمة بكتاب عثمان بن عفان، وقرأه أنكر ذلك أشد الإنكار وقال: ما لي بذلك من علم، ثم إنه أرسل إلى قرى الحبشة في طلب السبي، فجمعهم بأجمعهم، ودفعهم إلى محمد بن مسلمة، فأقبل بهم إلى عثمان وأخبره بما كان من إنكار ملك الحبشة وطلب السبي. فشحن عثمان

السواحل بعد ذلك بالرجال، وقواهم بالسلاح والأموال، فكانوا ممتنعين من الحبشة وغيرهم».

(1) راجع الإمام الجصاص: أحكام القرآن، دار المصحف القاهرة، الطبعة الثانية، ج 1، ص 319 - 320؛ الإمام الكيا الهراس: أحكام القرآن، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 1974، ج 1، ص 119 120. ويقول ابن العربي: إن الله سبحانه بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالبيان والحجة والكفار يقابلونه بالجحود والإنكار ويعتمدونه وأصحابه بالعداوة والإذاية، والبارئ سبحانه يأمر نبيه علم وأصحابه باحتمال الأذى والصبر على المكروه، ويأمرهم بالإعراض تارة وبالعفو والصفح أخرى، حتى يأتي الله بأمره، إلى أن أذن الله تعالى لهم في القتال». فقيل: إنه أنزل على رسوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) وهي أول آية نزلت، وإن لم يكن أحد قاتل، ولكن معناه أذن للذين يعلمون أن الكفار يعتقدون قتالهم وقتلهم بأن يقاتلوهم على اختلاف القراءتين، ثم صار بعد ذلك فرضاً، فقال تعالى: {وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ.

(2) ثم أمر بقتال الكل، فقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، وقيل: إن هذه الآية نزلت والصحيح ما رتبناه، لأن آية الإذن في القتال مكية، وهذه الآية مدنية متأخرة. (ابن العربي: أحكام القرآن، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1376 هـ / 1957 م، ج 2، ص 102).