النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٦٩نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
569
والاستناد إلى من تجمعهم روابط الإخاء، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
).
وفي تاريخ العلاقات الدولية الإسلامية أمثلة كثيرة تؤيد ذلك، نكتفي منها بذكر ما يلي: فحينما طغا الإسبان على ملوك الطوائف بالأندلس، أراد ابن عباد الاستعانة بسلطان المغرب
"
(يوسف بن تاشفين للاستظهار به على ابن فرذلند وانفرد ابن عباد بالاتصال بالسلطان يوسف بن تاشفين، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك، فمنهم من كتب إليه ومنهم من شافهه كلهم يحذره سوء عاقبة ذلك، وقالوا له الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد! فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير! أي أن كونه مأكولاً لابن تاشفين أسيراً يرعى جماله في الصحراء، خير من كونه ممزقاً لابن فرذ لند، أسيراً يرعى خنازيره في قشتالة؛ وكان مشهوراً برزانة الاعتقاد. وقال لعذاله ولوّامه: يا قوم أنا من أمري على حالتين حالة يقين وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما؛ أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفيا لي ويبقيا علي، ويمكن ألا يفعلا؛ فهذه حالة الشك. وأما حالة اليقين فهي أني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى ابن فرذلند أسخطت الله، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأيّ شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه وحينئذ أقصر أصحابه عن لومه).
ومن ذلك ما حدث حينما كاتب شاور (سنة (556) الفرنج واستدعاهم، ثم إن شاور خاف لما تأخر وصول الإفرنج، فعمل على دعوة أسد الدين شيركوه وامرأته ليقبض عليهم. فنهاه ابنه الكامل وقال له: والله لئن لم تنته عن هذا الأمر لأعرفن أسد الدين. فقال له أبوه شاور: والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن كلنا فقال له ابنه الكامل: «لأن نقتل والبلاد بيد المسلمين خير من أن نقتل والبلاد بيد الفرنج».
ومن ذلك حينما حاصر الفرنج والروم مدينة حلب، فقد أراد أن يرسل الشهيد زنكي رسولاً (هو القاضي (الشهروزوري إلى السلطان ينهى إليه حال البلاد وكثرة العدو، ويطلب منه النجدة وإرسال العسكر. يقول القاضي: قلت للشهيد لما أرسلني: «أخاف أن تخرج البلاد من أيدينا، ويجعل السلطان هذا حجة وينفذ العساكر، فإذا توسطوا البلاد ملكوها».
(1) ابن عذارى المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب تحقيق د. إحسان عباس دار الثقافة، بيروت، ج 4، 1400 هـ/1980 م، ص 132: انظر أيضاً محمد الخضر حسين رسائل الإصلاح، الناشر علي الرضا التونسي، القاهرة، 1391 هـ/1971 م، ص 42.
(2) راجع ابن تغرى بردى الأتابكي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب، ج 5، ص 351.