النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٧١نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
571
ثانياً: التثبيت (1) من الأمور الخاصة بالعلاقات الدولية
نظراً لخطورة أي تصرف في العلاقات الدولية، يجب على السلطات الحاكمة عدم التسرع، إن أمكن، في رد الفعل. إنما يجب دراسة الأمور من جميع جوانبها، وتقليبها على كل مضاجعها حتى يلوح سبيل الرشاد، ويظهر التصرف الذي يتحتم اتخاذه فعلاً.
ولم تغفل الشريعة الإسلامية هذا المبدأ الهام في الحياة الدولية المعاصرة. يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ} [الحجرات: 6]. وسبب نزول هذه الآية ما رواه سعيد عن قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق لجباية الصدقة، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وأمره أن يثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى ما ذكروه، فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فنزلت الآية (2).
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا نَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنَا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ
[النساء: 94].
وقد حدث أيضاً تطبيق عملي لمبدأ التثبيت في إطار العلاقات الدولية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. ذلك أنه حينما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم نقض بني كعب للعهد، فقد بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وآخرين، وقال لهم: «انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه، ه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم
فاجهروا به للناس».
(1) التثبيت لغة هو التأني في الأمر والرأي، واصطلاحاً: تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال المراد، ويقترب منه التحري وهو طلب الشيء بغالب الرأي عند تعذر الوقوف على الحقيقة (الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الطبعة الثانية، ج 10، ص 142 الفتاوى الهندية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الرابعة، ج 5، ص 382). وبخصوص قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَيَيّنُوا﴾ [النساء: 94]، يقول ابن العربي (فتبينوا) أي الأمر المشكل، أو تثبتوا ولا تعجلوا؛ ويقول القرطبي: «فتبينوا أي تأملوا»، وهي أفضل من تثبتوا؛ لأن الإنسان قد يتثبت ولا يتبين. راجع: ابن العربي: أحكام القرآن المرجع السابق، ج 1، ص 482. الإمام القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 5، ص 1 (2) راجع السيرة النبوية لابن هشام ط البابي الحلبي، القاهرة، 1375 هـ / 1955 م، ج 2، ص
338 - 337
296