النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٥١

في فقه العمران

الراغب الأصفهاني نموذجاً

د. حسن محمود عبد اللطيف الشافعي

(رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة

الله الرحمن الرحيم

مقدمة

651

الحمد لله

رب العالمين، والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وآله وأصحابه

أجمعين. وبعد؛

فقد تفضّلت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - مشكورة - بدعوتي للمشاركة في الندوة المذكورة، في محور «فقه العمران وفقه الإنسان»، فاخترت العنوان السابق، لأقدم في سياق النهضة العربية الراهنة التي تنتظم الأقطار العربية جميعاً وإن اختلفت صيغها وأشكالها، وما يبدو من بوادر عودة الأمة الإسلامية من جديد لتشارك في صياغة التاريخ الإنساني، من حيث إن الإسلام جاء رحمة للعالمين، وإدراكاً لأن هذه النهضة وتلك العودة لن تتحققا إلا بالتخلص من قيود التخلف التي التفت حول العالم الإسلامي بأسره، وشملت كل ركن فيه، وأن الأساس لهذه النهضة - حتى لا تكون مجرد حراك وتململ - إنما هو الوعي الخلقي برسالة الإنسان المسلم، والتأصيل الشرعي لهذا الوعي المنشود.

أنه وقد وجدت ربما كان من الخير لتحقيق هذا الفرصة أن أقدم التصور المتميز الذي فاضت به عبقرية الراغب الأصفهاني، وهو مفكر أخلاقي مسلم، وأحد رجالات الدراسات القرآنية، في كتبه الثلاثة الأساسية: (المفردات) و (تفصيل (النشأتين) و (الذريعة إلى مكارم الشريعة)؛ وبخاصة هذا الأخير. فالواقع أن الرجل يقدم - كما ذكرت - لنا تصوراً لرسالة الإنسان المسلم أو وظيفته الكونية، وبخاصة في عمارة الكون وتحقيق التنمية الشاملة من خلال نظريته عن «الخلافة» أو الاستخلاف الإلهي للإنسان بحسب التوجيه القرآني المعروف، في عديد من السور، وفي مقدمتها سورة البقرة، في الآية الثلاثين وما بعدها: {إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً … ) [البقرة: 30]. وفي