النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٥٣في فقه العمران الراغب الأصفهاني نموذجاً
د. حسن محمود عبد اللطيف الشافعي
653
الحقيقة - شاهد صدق على طول باعه في هذا المجال، وفيه أيضاً ما يؤكد صحة شبه كتاب (الذريعة إلى مكارم الشريعة)، وهو مدار هذا البحث - إلى الراغب الأصفهاني
(1)
•
غير أن ما تركه الراغب من مؤلفات تؤكد أن مكانته في الدراسات الأخلاقية لا تقل عن مكانته في الدراسات القرآنية، بل إنه يمثل في هذا المجال الأخير موقفاً خاصاً واتجاهاً متميزاً ـ كما سنذكره في ما بعد. والراغب أشعري كما يبينه كتابه (رسالة في الاعتقاد) التي ظنّها البعض كتاباً في التفسير. وكذا رسالته في افتراق الأمة وهو ما تؤكده سائر كتبه التي تدافع عن آراء الأشاعرة ومواقفهم. وإذا كان الراغب في المحل الأول مفكراً أخلاقياً، فإن رؤيته الأخلاقية تتميز:
أ - بأنه ربط بين الكمال الأخلاقي وبين الخلافة الإنسانية»، كما يقول في كتاب (الذريعة): «إنه باكتساب المكرمة يستحق الإنسان أن يوصف بكونه خليفة الله المعني بقوله: {إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً … ) [البقرة: 30]، وبقولة تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَكَيفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا وَاتَكُمْ﴾ [الأنعام: 165]، وأشرت أن خلافة الله ل لا تصح إلا بطهارة النفس، كما أن أشرف العبادات لا تصح إلا بطهارة الجسم … وبينت كيف يصل الإنسان إلى منزلة العبودية .. وكيف يترقى عنها إذا وصلها إلى منزلة الخلافة، وهي مرتبة الكائن الأخلاقي، بالإنسان الكامل التي فيها يكون التزام الإنسان بأحكام الشرع التزاماً في عقيدته فقهياً أو قانونياً كما في مرتبة العبودية، فهو مكارم الأحكام وهو أقصى لنا ما أتى النبي إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
ب
-
كما تتميز رؤيته الأخلاقية بتأكيده أن بلوغ الإنسان هذه المرتبة يتوّج برحلة أخلاقية تمرّ في ثلاث مراحل، أولاها:
مرحلة الفطرة وهي معرفة بربه المغروسة فيه.
•
•
ثم مرحلة العبودية، وهي التي يصل إليها بأحكام الشريعة أي أحكام الله تعالى وخطابه إلى خلقه المتضمن لأحكام العبادات والمعاملات الضرورية لتحقيق العبودية.
ثم مرحلة الخلافة وهي ثمرة التخلق بأخلاق الله تعالى، وهي: المكارم المطلقة؛ وهي اسم عال يتحاشى عن وصف الله تعالى بما جل ثناؤه بها أو بأكثرها .. ) وتلك نهاية الكمال
الإنساني المعروفة بمرتبة الخلافة أو استخلاف الله ل له.
(1) نظر: التهانوي: كشف الظنون، 36/ 1. والذريعة نشر الكليات الأزهرية، المقدمة. (2) الذريعة، الطبعة السابقة.