النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٢٥المفهوم الإسلامي للبناء والعمران
د. خالد محمد عزب
725
إن هذا يقودنا إلى تركيز الاهتمام بمثل هذه النوعية من الطرق لكثرة ورود قضاياها في سجلات المحاكم الشرعية، فنسبة الدروب المسدودة في مدينة الجزائر تصل إلى 45.7% من مساحات الطرقات). ومن أشهر أمثلة العمائر المدنية بالقاهرة والتي بنيت في طريق غير نافذ: منزل السناري بالسيدة زينب (1209 هـ / 1794 م) الذي يقع بحارة منغ.
لقد ترتب على هذا التتابع في مستويات الطرق بمدينتي القاهرة، ورشيد أن أصبحت الطرق ذات خصوصيات متدرجة تبعاً لوقوعها تحت أي من المستويات الثلاثة السابقة، وانعكست سيطرة الفرق المالكة للطرق، وخصوصيتها في تكاتف أهل الطريق على توفير الأمن له من خلال الأبواب التي أقيمت على الحارات والدروب.
إن خصوصية الحارة تنبع من كونها وحدة اجتماعية متماسكة، فالحياة في الحارة بمثابة الحياة داخل منزل واحد، فالأفراد يتضامنون مع بعضهم، بل حين يلج غريب إلى داخل هذا المجتمع المغلق يجري تتبعه من الأطفال وتنبيهه إلى وجوده في المكان لا يجب أن يكون فيه إلا لسبب واضح.
ويعكس ما ذكره نيبور، ذلك الرحالة الهولندي الذي زار مصر في المدة من (1761 - 1762 م)، هذه الخصوصية في العبارة التالية التي وصف بها أمراً طبيعياً بالقاهرة في تلك الفترة: «ولهذا ليس من المعقول أن يذهب أحد في أثناء النهار إلى هذه الأحياء بحثاً عن رجل في مسكنه، وليس من المألوف في البلاد الشرقية أن يذهب أحد لزيارة زوجة أو ابنة صديق له في بيته، ولهذا فإذا دخل رجل أجنبي ـ أي غريب عن المكان ـ إلى حي من هذه الأحياء، فإن من يقابله يتصور أنه ضل الطريق، ويلفت نظره إلى أن الشارع مسدود لا يؤدي إلى آخره، وأن عليه أن أدراجه، ومن هنا لم يكن من السهل على الرجل الأجنبي أن يزور كل الأحياء القائمة بها» (3). وتعكس مستويات الطرق، وأحكامها مدى التكاتف والترابط الاجتماعي الذي كانت تتمتع به
يعود
المدينة الإسلامية.
(1) مصطفى حموش المدينة والسلطة في الإسلام، دار البشائر، دمشق، 1999، ص 145.
Nawal al-Messiri Nadim، «The Concept of the Hara. Historical and Sociological Study of al-Sukkariyya» annals (2) Islamologiques.15 (1979) p 337.
(3) ک ارستن نيبور: رحلة إلى مصر، ترجمة مصطفى ماهر، القاهرة 1977، ص 206.