النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٧٣

773

|

مراحل التاريخ الفقهي وتاريخ الفقه عند كولسون وأندرسون.

أ. د. محمد أحمد سراج

دراسته لهذا التجديد. ولا أتعقب في مناقشتي هنا هذه التصورات جميعها، وإنما سأكتفي بالنظر النقدي في الأمور الثلاثة التالية لفائدتها في تطوير قدرات الباحثين في تاريخ التشريع الإسلامي.

بالتعارض

(2)

أول ذلك أن أندرسون اهتم بتحديد مفهوم القانون الإسلامي للقانونيين الغربيين عن طريق مقارنته بمفهوم القانون عموماً في النظريات الفلسفية الغربية وأهم ما يصف به القانون الإسلامي أنه قانون ديني Religious مقدس Divine ثابت لا يتغير Immutable، مستنداً إلى أن الفعل الإنساني حسن بتحسين الشرع وقبيح بتقبيح الشرع. كما أن هذا القانون يتناول الأفعال والأنشطة الإنسانية جميعها، ولذا فإن أكثر أجزاء هذا القانون مما لا يمكن للمحاكم الإلزام به، وذلك بخلاف القانون في مفهومه الغربي الذي يجري الإلزام به، لتمييزه بين ما ينطوي من هذه الأفعال ضمن دائرته وما يدخل في إطار ما هو أخلاقي. ولهذا فإنه لا يرى أي دور للمحاكم وأقضية القضاة في تكوين القانون الإسلامي وتطويره، حيث إنه قانون يعتمد دائماً على آراء الفقهاء المدونة في كتبهم، لا على أحكام القضاة. وعنده أن تطور هذا القانون لا صلة له بالظروف السياسية والاجتماعية ما تدعو إليه النظرية التاريخية للقانون، وذلك أن وظيفة القانون الإسلامي عنده هي مع تقديم المعايير الموحى بها للمجتمع، لا أن يتأثر به كما أن هذا القانون لا يمكن فهمه في إطار الفلسفة الواقعية الأمريكية التي تفترض أن القانون يمثل الأحكام المتوقعة الصدور من المحكمة؛ لأنَّ القانون في الفهم الإسلامي هو ما ينبغي أن تحكم به المحكمة، وليس ما تحكم به المحكمة بالفعل، والمحكمة مصيبة إن وافقته ومخطئة إن خالفته. وأتوقف عند هذا لأبين سوء هذا الفهم في خلطه بين ثلاثة مفاهيم لا تقبل الخلط، وهي الشريعة والفقه والقانون، وهو يتحدث عنها جميعاً في نفس واحد من دون أن يميز بينها، وهو ما أداه في النهاية إلى الاعتقاد بأن التجديدات التشريعية الحديثة حتَّى في مجال الأحوال الشخصية ليست سوى مواءمة أو حل وسط Compromise بين مقتضيات القانون الإسلامية ومفاهيم القانون الغربي. وكان ولعه ببحث التجديدات الحديثة يقتضي أن يكون على وعي دقيق بالفصل بين مفاهيم الشريعة (نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية)، والفقه الاجتهاد في فهم هذه النصوص وتطبيقها على الواقع المتغير)، والقانون الذي تفرضه المحاكم بسلطان الدولة، وهو قانون السياسة الذي يسوس به الحاكم الرعية، طبقاً لتحديد الغزالي في بدايات الإحياء. ومن العجيب أن يعيب أندرسون في مراجعته كتاب تاريخ التشريع الإسلامي على كولسون مؤلف هذا الكتاب وعلى يوسف شاخت ربطهما بين حركة المجتمع الإسلامي وتطورات قوانينه، وتشابه المشكلات التي يواجهها التشريع الإسلامي في العصر الحديث في رأيهما مع ما مر

Islamic Law in the Modern World، P 3.

(1)

(2) المرجع السابق، ص 4 - 5.

(3) المرجع السابق، ص 7.