النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٧٥

مراحل التاريخ الفقهي وتاريخ الفقه عند كولسون وأندرسون.

أ. د. محمد أحمد سراج

775

التشريع

(1)

عساه أن يضفي نوعاً من التجانس والوحدة على مجمل تطور النظام التشريعي الإسلامي، وبما يمكن لمساعي التجديد في العصر الحديث أن ترسخ دعائمها على فهمها الصحيح للتطور التاريخي لهذا النظام ويبدأ كولسون في تتبعه تاريخ التشريع الإسلامي منذ بدايته الأولى، حيث يستعرض بذور هذا وأساسه في القرآن الكريم، مبيناً طبيعة هذا التشريع العامة والشاملة، والقاصدة إلى تغيير الأعراف السائدة وفق القيم التي جاء بها الدين الإسلامي. وهذه الطبيعة هي التي فتحت المجال للتفسيرات والاجتهادات المتنوّعة لمواكبة التطورات الاجتماعية. ويدرك كولسون أن «معظم المفاهيم الأساسية والحيوية التي يقوم عليها أي مجتمع متحضّر يعبر عنها القرآن عادة فيما يشبه أن يكون إلزاماً خلقياً» (2)، وقد وجب على المتخصصين لهذا أن يعملوا على تحويلها إلى إلزامات قانونية تمضيها أجهزة الدولة. وقد تعقبت فهم كولسون لأثر التشريعات القرآنية وملاحظاتي عليه في الترجمة العربية، فلا حاجة لإعادته هنا. ويعترف كولسون، خلافاً لأستاذه شاخت بالسنة مصدراً أساسياً للتشريع، وأنها هي التي أمدته بالعديد من المبادئ التفصيلية التي لم يكن من الممكن من دونها إعمال المبادئ القرآنية في التطبيق العملي، وذلك كقاعدة الثلث في الوصية، وتقديم أصحاب الفروض وإلا لاستغرقت الوصية التركة كلها، ونافس العصبات أصحاب الفروض، وهو ما من شأنه ألا يمكن إعمال النظام الذي أتى به القرآن في الميراث. وهناك مآخذ عديدة وأساسية على فهم كولسون للسنة ودورها في التشريع مما التفت إليه الدكتور سليم العوا، وما قد عرضت بعضه. ويجدر الالتفات إلى الأبحاث المتقدمة لموتسكي Motzki ومنهجه المتميز في توثيق السنة بما يبطل حجج شاخت ويدحضها تماماً.

(3)

ولعل الالتفات إلى أحكام القضاة ودورهم في تطوير التشريع الإسلامي فترة تكوينه من أهم ما أراده كولسون في رسمه الإطار العام لمراحل تاريخ التشريع الإسلامي. وهو يستند في تحديد هذا الدور إلى كتاب الكندي ولاة مصر وقضاتها»، الذي نشر نشرة مضطربة تشي بعدم إعطاء مؤرخي التشريع الإسلامي هذا الكتاب ومادته الأهمية اللائقة بهما. وإذ يسوق كولسون أمثلة قليلة، ودالة على المجهود الضخم الذي اضطر القضاة إلى بذله لضبط العلاقات الاجتماعية في الأقاليم المترامية الأطراف للدولة الإسلامية الوليدة فإنه ينتهي إلى نتيجة مؤداها أن شعوباً قليلة واجهت ما واجهه المجتمع الإسلامي في القرن الأول الهجري، ومع هذا استطاعت السلطتان التنفيذية والقضائية أن تتصدى بنجاح لهذه المشكلات المتدافعة بمناهج ساعدت على إنشاء «نظام عملي

(1) كولسون، تاريخ التشريع الإسلامي، الترجمة العربية: محمد سراج، ومراجعة د. حسن الشافعي، ص 24. (2) تاريخ التشريع لكولسون، الترجمة العربية، ص 29. (3) المرجع السابق، ص 52 - 60.