النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٧٦

776

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

لإجراء القانون وتحقيق العدالة). وكان تراكم أقضية القضاة وأحكامهم هو الذي أدى في تقدير كولسون إلى إمداد الفقهاء بالمواد اللازمة لنظرهم، وبناء مدارسهم ومذاهبهم. ولا يعيب تناول كولسون دور القضاة سوى هذا الإيجاز الشديد الذي أثر على وضوح هذا الدور، وهو ما استطاع الأستاذ شبلي ملاط تحقيقه في مقال بديع منشور ضمن كتاب أكسفورد للقانون المقارن الذي قمت بترجمته (2). . ومع ذلك فإن إيمان كولسون بدور القضاة في تطوير التشريع الإسلامي مما يتفق ومنهجه الذي اعتمده في دراسة التشريع الإسلامي وتاريخه. ويقوم منهجه هذا على وجوب دراسة هذا التشريع بمنهج مماثل لما تدرس به النظم القانونية الراقية في العالم المعاصر. وقد عاب عليه شاخت أنه يقدم نظاماً قانونياً حياً متفاعلاً رغم أنه قد انتهى من الوجود. وفي تقدير كولسون أن التشريع الإسلامي يلزم الاعتماد عليه في تشكيل النظم القانونية المطبقة في البلاد الإسلامية المعاصرة. ويكفي هذا وحده عند الدكتور العوا لجعل منهج الأستاذ كولسون أجدر المناهج بالبحث والدراسة عند النظر في مناهج المستشرقين في الدراسات القانونية الإسلامية».

وتتلو مرحلة النظر الفقهي دور القضاة، فتتأسس مدارس الأمصار والمذاهب الفقهية، كي يتصدر المشهد بعد قليل الإمام الشافعي، فيصوغ نظريته الأصولية، وهي النظرية التي يرى كولسون أنها حددت الإطار العام المقبول لمسيرة الفقه والتشريع الإسلامي في المرحلة التالية، التي يطلق عليها في العادة مرحلة التقليد والجمود المؤذنة بإغلاق باب الاجتهاد وهنا يقع كولسون في خطأين منهجيين فادحين، أولهما: المبالغة في الدور الذي قام به الشافعي، والاعتقاد بأنه قدم الصياغة شبه النهائية لما أطلق عليه النظرية الأصولية التقليدية. والواقع أن النظرية الأصولية قد أخذت أكثر من قرنين بعد الشافعي لتتبلور في إطارها المعهود، وشارك في بنائها فريق المعتزلة على النحو الذي تشهد به جهود القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، كما شارك فيها شافعية القرن الخامس الهجري، وعلى رأسهم إمام الحرمين الجويني وأبو حامد الغزالي، وكذا بعض أئمة الأحناف من أمثال الشاشي والبزدوي. أما الخطأ المنهجي الآخر فيتمثل في انسياق كولسون وراء القائلين بإغلاق باب الاجتهاد رغم التفاته في الفصلين التاسع والعاشر من كتابه (تاريخ التشريع) إلى رصد العديد من مظاهر التجديد والاجتهاد في العصور الوسطى، وإدراكه للتفاعل النشيط داخل المذاهب الفقهية، واستعادتهم الكثير من حيوية مناهجهم في الاجتهاد عن طريق اعترافهم بمشروعية المصادر الفقهية التبعية وهي الاستحسان والمصالح والمقاصد والأعراف الاجتماعية. لقد كان عزوف كولسون عن متابعة دور القضاة أثناء نشأة المذاهب وما بعدها رغم إمساكه ببداية الخيط هو المسؤول في تقديري عن هذا الاضطراب المنهجي.

:

(1) المرجع السابق، ص 60.

(2) ماثياس ريمان، رينهارد زيمرمان كتاب أكسفورد للقانون المقارن ترجمة محمد سراج، المجلد الأول، ص 899 - 941.