النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٩٣النظرية الفقهية بين جمال الدين عطية ومحمد أبي زهرة
د. برهان كور أوغلو
793
والخارجي، سواء في شكل رسائل علمية أكاديمية وجامعية لنيل شهادات علمية، أو بهدف بيان موقف الإسلام من هذه القضايا.
لقد ظهر التنظير الفقهي في هذه المرحلة بتحاشي طريقة التأليف التي اتبعت في معظم الكتب القديمة من جمع المسائل الفرعية، وتحديد النظرية التي تكمن وراء هذه المسائل، وذلك ببيان التعريفات والخصائص والشرائط والأركان والآثار وغير ذلك من الأمور التي تأتي المسائل الفرعية كأمثلة تطبيقية لها، وقد نجحت معظم الدراسات في هذا الأمر بحيث أصبحت من هذه الناحية إضافات حقيقية في مجال النظريات الفقهية).
الخاتمة
إن تقدير الدكتور جمال الدين عطية للإمام أبي زهرة كبير جداً، وأوجه الاختلاف بينهما بسبب نظرة كل واحد منهما لمفهوم النظرية الفقهية والقواعد الفقهية ودورهما في الأصول والفروع ولما ينبغي أن يتم إنجازه من خلال تحديث وتتطور مفهوم النظرية الفقهية، فهي بمثابة مشروع تجديدي عند الدكتور جمال، بينما لم تكن قضية النظريات الفقهية مما يشغل ذهن العلامة أبي زهرة، وإنما جاءت في معرض حديثه عن الفروق لأسباب طارئة كما سبق بيانه، فالاختلافات بين جمال الدين عطية وأبي زهرة اختلافات منهجية، فأبو زهرة لم يكن يتطلع إلى تجديد الفقه وأصول الفقه عن طريق النظريات الفقهية كما يرغب ويفضل جمال الدين عطية ذلك، فالاختلاف بينها ليس اختلافاً في الاصطلاح فقط، وإنما اختلاف في الغايات، بل من الصعوبة القول بأنه اختلاف في الغايات؛ لأنَّ الإمام أبا زهرة لم يفكر في عصره وجيله بما فكر فيه جمال الدين عطية، فلم يجر بينهما حوار حول هذه المسألة تحديداً.
على أن الاعتراضات الأخرى التي واجهت نظرية جمال الدين عطية لم تكن من الإمام أبي زهرة، وإنما من فقهاء متأخرين، يعترضون في الغالب على مجرد استعمال كلمة النظرية في مجال أبحاث العلوم الإسلامية، ظناً منهم بأن الأمر يعرض الإسلام للتغير أو للعلمنة الفقهية، في حالة إنتاج نظريات فقهية تعالج قضايا معينة، سواء كانت جزئية مثل قضايا البنوك الإسلامية أو أسواق الاستثمار المالي والبورصات المالية وسوق الأسهم أو غيرها، أو عامة مثل النظريات المستحدثة والمستعجلة في التجاوب مع تحديات الربيع العربي إن كانت الدولة الإسلامية دولة دينية أو دولة مدنية، أو إن كانت دولة مسلمين أو دولة مواطنين أو غيرها من القضايا العامة.
(1) عطية، التنظير الفقهي، مصدر سابق، ص 186.