النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨١١

دور القواعد الفقهية في تطوير النظريات

د. مهني بن عمر التيواجني

811

وقد ينفرد أحدهم بإيراد قاعدة أو أكثر لم يشر إليها غيره صراحة إلا أن مضمونها يكون في العادة حاضراً؛ لأن المشتغل بالنظريات إنما يكون مستوعباً للقاعدة إما بلفظها وإما بمعناها، وبما تدل عليه من أبعاد، فيستحضر كل ذلك في ذهنه ثم يوظفه في تحرير النظرية بالصورة التي يراها مناسبة بتحقيق الغاية وبلورة الفكرة الفقهية؛ لتبقى طريقة العرض وطبيعة الكتاب والتوسع والاختصار شأناً شخصياً لكل من كتب في هذا الباب. ومن القواعد الأكثر وروداً ضمن نظرية العقد في الكتابات الثلاث نذكر: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان العادة محكمة الكتاب كالخطاب، لا ينسب لساكت قول ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر، المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً ....

خاتمة

خلاصة القول في العلاقة بين القواعد والنظريات الفقهية: أنها علاقة متينة وعضوية، وتعد هذه القواعد من أهم مقومات صياغة النظرية بقطع النظر عن العنوان الذي وردت تحته، أو لأي غاية وظفت، وأن فكرة التقعيد الفقهي شجعت المهتمين بالدراسة الفقهية على اعتماد هذه المقاربة الجديدة التي تجمع بين أصالة المضمون وحداثة الشكل، ولكنها حداثة واعية ومسؤولة ما زالت تحتاج إلى مزيد من الجهد المشترك بين كل الرؤى الإسلامية لتبعث في التراث الفقهي حياة جديدة تجعله يقوم بمهمته في نهضة الأمة والتصدي لدعوى عجز الفقه الإسلامي عن مواكبة العصر، والتي تأتي في إطار الحملة الشاملة ضد محاولة استعادة المسلمين الثقة في فكرهم وثقافتهم ومشروعهم الحضاري ضمن التنافس بين الأمم الذي لا ينكره أحد. والمطلوب من كليات العلوم الشرعية عموماً وأقسام التخصص التشريعي بوجه أدق، ومثلها كليات الحقوق أن تهتم بهذا الموضوع، وأن تعطيه حقه ليعود الفقه إلى مكانته في إدارة شؤون الناس أفراداً وجماعات ومؤسسات؛ لتبقى أصيلة في جذورها متفتحة على الآخر في غير ضعف ولا ذوبان. فهل يوفّق أهل الفقه من المسلمين اليوم في تحقيق هذه المعادلة الصعبة؟!