النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨١٠810
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الفقهي لإكماله، فتكون القواعد أعدت العقل الفقهي لاستحداث منهج جديد يعطي علم الفقه الحيوية والتجدد ومواكبة تطور الواقع الاجتماعي وغيره المتصف بالتبدل والتغير الذي تعبر عنه قاعدة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان. ومن هنا يظهر لكل متتبع لتاريخ الفقه أن أصحاب النظريات الفقهية اقتبسوا مادتهم العلمية من مرجعين أساسيين هما كتب التراث الفقهي المذهبي والمقارن من جهة وما تتضمّنه هذه الكتب من قواعد اعتمدت أدلة على الأحكام الشرعية يذكرها المؤلف عرضاً أو قصداً، تصريحاً أو تلميحاً في إشارة منه إلى أن هذا الحكم أو ذاك منسجم مع أشباهه ونظائره يجمعه بها سلك ناظم لما اختلف موضوعاً واتحد حكماً. وكل من يكتب وفق المقاربة بالنظريات يكون مضطراً لأن يقرأ مراراً وتكراراً القواعد وما يتعلّق بها ويتفرع عنها، ويستنطقها ليقف من خلال ذلك على أسرار الفقه وحكم الشرع، ويتخذ من ذلك مادة علمية تساعده في تحرير نظرياته إلى جانب عناصر أخرى، ثم يقدم الكل في الصورة التي يراها مناسبة، ومن ثم فإن القواعد الفقهية سواء كانت أساسية كلية أم ثانوية متفرعة عنها، أو كانت مجمعاً عليها أم مختلفاً فيها بين المذاهب أو داخل المذهب الواحد، قد ساعدت على سرعة الوقوف على الصلة الرابطة بين عناصر النظرية، إلا أن تلك الجهود رغم قيمتها الكبيرة تظل محدودة الأثر حتى تقسم القواعد وتوزع على أساس موضوعي، ولو اقتضى هذا العمل تكرار القاعدة الواحدة أكثر من مرة وفي أكثر من موضوع، وهو أمر لم يحصل بعد بما يكفي، ويمكن لهذا الجهد أن يكون موضوعاً طريفاً لو أقدم بعضهم على بحثه تحت أي عنوان كان. وفي هذه الحالة يمكن الحديث عن العلاقة الوثيقة بين القواعد والنظريات بحيث تكون الأولى إحدى مقومات الثانية ومكوناً من مكوناتها الأساسية.
ومن العلاقات الأخرى بين القواعد والنظريات علاقة الاحتجاج والاستدلال، على رأي من يقبل بالقواعد أدلة شاهدة على الحكم الشرعي أو كونها مجرد آلية يستأنس بها، على رأي من ينكر حجيتها، فالقواعد تغني صاحب النظرية عن الرجوع إلى الأدلة النصية المباشرة أو غير المباشرة أو الأدلة التبعية من منطلق أن القاعدة تتضمن في باطنها تلك الأدلة، وأن ما كان مستندها النص فهي بمنزلته أو أنها بنيت على أساس العلة التي روعيت في أحكام المسائل، حتى إن الباحث يلاحظ غلبة القواعد على الأدلة النصية أو غيرها عند كل من كتب في النظريات الفقهية، ولو كان ذلك بشكل نسبي، أو جاءت تعقيباً على أفكار النظرية.
وبناء على ما تم استقراؤه مما كتب من نظريات فقهية نلاحظ تقارباً بين الباحثين في اعتماد القواعد الفقهية لدى صياغة النظرية أو الاستدلال على مضامينها، أذكر على سبيل المثال لا الحصر ببعض ما ورد من قواعد في نظرية العقد عند كل من الأساتذة الزرقا والمحمصاني والدريني. ومن دون أن أدخل في تقويم للمجهودات الثلاثة أنهم قد استعملوا نفس القواعد تقريباً،