النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٩

أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة دراسة في رسالة الزكاة

الشيخ

الله

د. عبد بن راشد السيابي

89

وكان شديد الاحتياط والاحتراز وخاصة في أمر الفروج والدماء والطهارات والعبادات عامة، وقال له بعض أصحابه يوماً: إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك، لو كنت نبياً ما أجابك أحد» (1).

له:

وسأله سائل ذات مرة عن زكاة الفطر، وعلى السائل ثوبان جديدان، وليس عنده غيرهما، فقال بع ثوبيك هذين فاشتر دونهما، وأخرج زكاة الفطر بالباقي، وذلك لئلا تفوته زكاة الفطر، فلم يرخص له في تركها علماً بأنه لا يجد إلا ذينك الثوبين (2).

كما أنه كان شديداً على أهل المعاصي بشتى أصنافها، فقد سئل عن القاذف هل يعطى من الزكاة؟ وكذلك الذي فشق المسلمين أو لعنهم أو ظلمهم أو شهد بزور على أحد ولو كانت في الفلس فما دونه؟ فأجاب بأنه لا يجوز أن يعطى مثل هؤلاء من الزكاة حتَّى يتوبوا ويرجعوا إلى الله تعالى، وذلك لأن أصحاب المعاصي كلّهم في البراءة فيجب هجرانهم، ولا فرق في ذلك بين الرجل الصالح الذي بدت منه مثل هذه الأمور عياناً، أو كان من غيرهم، فالمعاصي حكمها واحد.

روي

أنه سافر إلى مكة في بعض السنين ومعه رجل يقال له: سابق العطار من أصحابه، وكان خيراً فاضلاً فنزلا في بعض المنازل، فمرت عليهم أعرابية معها لبن وسمن وجدي فاشتراها سابق منها بقارورة فيها خَلوق (9) وقلادة، فطلب من الإمام أن يشرب من اللبن فأبى وقال له: أخر عنا لبنك يا سابق، قال: لم يا أبا عبيدة؟ فقال له: ويحك يا سابق كم ثمن القلادة؟» قال: دائق أو نحوه، قال: فكم ثمن القارورة؟ قال: دانق أو نحوه، فسأل الإمام أبو عبيدة الأعرابية: كم ثمن اللبن عندكم؟ فقالت: لا ثمن له عندنا، قال: وبكم ثمن السمن؟ قالت در همان قال: بكم ثمن الجدي؟ قالت: درهمان قال: فأخرج سابق أربعة دراهم فدفعها إليها قال: فقال أبو عبيدة: «الآن هلم لبنك إلينا يا سابق» (4).

وشهد ذات مرة ـ شاهدان على شهادة الإمام أبي عبيدة عند قاضي البصرة يومئذ (5)، فقال المشهود عليه: إنما شهدا على شهادة رجل واحد، فردّ عليه القاضي بقوله: ويحك أنا به عارف، ولو جاز لي أن أحكم بشهادة رجل واحد لحكمت بشهادته).

(1) الدرجيني، الطبقات: 239/ 2. الشماخي، السير: 78/ 1 - 83. المالكي، غاية المطلوب: 195 - 227. (2) المالكي، غاية المطلوب: 149.

(3) الخلوق نوع من العطر وهو مائع فيه صرفت، انظر: الفيومي مختار الصحاح: 180.

(4) الدرجيني، الطبقات: 239/ 2 - 240. الشماخي السير: 106/ 1. دبوز، تاريخ المغرب الكبير: 152/ 3. المالكي، غاية

المطلوب: 204.

(5) الشماخي، سير: 76/ 1.

(6) الدرجيني، طبقات: 239/ 2. الشماخي، السير 79/ 1. الحارثي، العقود: 142.