النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٨٥

نظرية المآلات: «قاعدة الأمور بمقاصدها»

د. خالد بن محمد بابكر

(أستاذ في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية،

قسنطينة، الجمهورية الجزائرية

الله الرحمن الرحيم

مقدمة

885

الحمد

لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

من المعلوم بداهة أن التشريع الإسلامي تشريع سماوي التنزيل، دنيوي التطبيق، يسعى إلى تحقيق المصلحة والعدل من خلال قدرة تشريعه المتميزة على مسايرة الحياة، مهما تطورت، وإمدادها بالأحكام والحلول السليمة لكل ما يستجد فيها من قضايا ونوازل. فلا غرو في ذلك؛ لأنَّه لم يكن تشريعاً للنظريات الخيالية المجردة، بل هو فقه للواقع العملي، بكل تطوراته وظروفه وتحدياته، يرصد الوقائع ليجابهها بالحلول المناسبة والملائمة.

ولكي يبقى الاجتهاد على هذه المكانة المرادة له، لا بد للمجتهد أن يواكب كل الظروف والتغيرات الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية متبصراً بمآلات أفعال المكلفين، وتأثير تلك الظروف والتغيرات فيهم. فالمجتهد الحق هو ابن بيئته يعايش معاناة عصره، عالم بفقه واقع مدرك أمراضه وطرق علاجها.

أمته، متفاعل مع

زمانه،

ذلك أن فهم أحكام الشريعة على وجه التمام، لا يكفي وحده في إيجاد الحكم المناسب للمسألة المجتهد فيها، ما لم يصاحبه فهم لواقع المسألة، ونظر سديد للظروف المحاطة بها، وكل ما تحمل من تطورات وتغيرات، بقصد حُسنِ تنزيل النصوص والأحكام على الوقائع والمستجدات، وإلا اختلت عملية الاجتهاد بين الفهم المجرد للنصوص والأحكام، وبين تنزيل تلك النصوص والأحكام في الاجتهاد التنزيلي التطبيقي.