النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٨٦886
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
من هنا فإن النظر إلى مآلات أفعال المكلفين هو اجتهاد مقاصدي تنزيلي واقعي، يسدد خطى المجتهد والفقيه في معالجة الواقع المعيش، تسديداً ينأى به عن سوء النتائج الضررية، والوصول بالأحكام الشرعية إلى مفاسد لم تكن الأحكام قد شرعت لها، عندما لا يتبصر المجتهد بالظروف والملابسات المحيطة بالواقعة المجتهد فيها. وهو اجتهاد إجرائي عملي بالمواءمة بين الاجتهاد النظري التجريدي من جهة، والاجتهاد التطبيقي من جهة أخرى، ليجابه تلك الظروف - مهما تنوعت وتطورت - بحلول ملائمة تحقق مصالح الناس ومقاصد الشارع.
ولعل كثيراً من الأحكام الاجتهادية التعسفية التي تجانب الحق والصواب والعدل والتي تصدر من بعض الفقهاء أحياناً، مرجعها إلى عدم النظر إلى مآلات أفعال المكلفين، مكتفين بالتطبيق الآلي للنصوص الظاهرة، من دون اجتهاد تطبيقي من تحقيق مناط الأحكام في الأنواع والأفراد.
فنظرية المآلات تأتي كتوجيه مقاصدي للمجتهد في النظر إلى الوقائع عند تطبيق الأحكام، بما يوافق طوارئها ويحقق مقاصد الشارع؛ مما ينتج تنزيلاً صائباً للأحكام، يعصم المجتهد من دواعي الإفراط والتفريط في الاجتهاد وإصدار الأحكام.
يقول الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة». هذه القاعدة المقصدية قرّرها الشاطبي لتكون قاعدة من القواعد الاجتهادية العملية لنظرية إذ إن من مقاصد الشارع أن يكون قصد المكلَّف موافقاً لقصد الشارع في تشريعه للأحكام؛ لأنَّ الأحكام مشروعة لمصالح العباد فهي بذلك مغياة ومحكّمة بها؛ فلا يجب أن يخالف المكلف قصد الشارع في التكاليف وإلّا كان مناقضاً.
المقاصد،
يقول الشاطبي في هذا المعنى في موضع آخر: «مقصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع».
ثمّ يزيد الأمر شرحاً فيقول: «و لَمَّا كانت الأحكام شرعت لمصالح العباد، كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنَّ مقصد الشارع فيها كما تبيَّن فإن كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، فإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأنَّ الأعمال الشرعية غير مقصودة لأنفسها، وإنّما قُصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح
التي شرعت من أجلها» (2).
(1) الشاطبي: الموافقات، 194/ 4. (2) الشاطبي: الموافقات، 331/ 2.