النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩١١الذرائع فتحاً وسدّاً
مساهمة في علم اجتماع الفقه
د. إبراهيم البيومي غانم
(أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية في القاهرة جمهورية مصر العربية)
911
الله الرحمن الرحيم
مقدمة
تاريخ نشأة قاعدة «الذرائع فتحاً وسداً غير محدد بدقة. واسم أول العلماء المجتهدين الذي سك هذا التعبير في تاريخ الفقه الإسلامي وأصوله لم أتوصل إلى معرفته. وغير معروف كذلك اسم البلدة أو المصر أو المدينة التي كان فيها «مكان ولادة هذه القاعدة لأول مرة. وراحت سدى كل المحاولات والحيل البحثية التي بذلتها في سبيل الوصول إلى إجابة محددة عمَّن وضعها، وعن زمان ومكان وضعه لها. وأقصى ما أمكنني الذهاب إليه هو التعيين التاريخي والاجتماعي المجمل لهذه القاعدة؛ ومثل هذا التعيين المجمل لا يشبع من يبحث بحث المتخصص في علم الاجتماع، ولا يقنعه. وغاية التعيين المجمل هذا هو أن هذه القاعدة بنت القرن الثاني الهجري وشيء من القرن الثالث، وأنها نمت وترعرعت في القرنين الرابع والخامس، واشتدَّ عودها وبسقتْ أغصانها في القرنين السابع والثامن، ثم واصلت النمو عبر القرون من التاسع إلى الخامس عشر الهجرية حتى تحوّلت بمرور الزمن إلى «نظرية» ذات جذور ممتدة في أعماق التراث الفقهي وفي آفاقه، وذات أغصان وفروع كثيفة ومتشابكة مع مختلف جوانب رؤية العقل الإسلامي للعالم؛ حتى قال بعضهم مؤخراً إنه ما من شيء في الشريعة الإسلامية إلا وهو راجع إلى مسألة الذرائع سداً وفتحاً».
ما أرقني واقضَّ مضجعي هو أنني بحثت عن قاعدة الذرائع ونظريتها بحثَ المتخصص في علم الاجتماع وفروعه، ولم أبحث عنها بحث المتخصص في علم الفقه وأصوله. وإلا فما أيسر على متخصص الفقه وأصوله أن يعثر على تفاصيل الاجتهاد والتأصيل لقاعدة سد الذرائع وفتحها»، وأن يحيط باختلاف المدارس الفقهية الكبرى في شأنها؛ ما بين موسع لأكمامها ومطيل لذيل ثوبها،