النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٩١٢

912

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ومكبر لحجم عمامتها؛ مثل السادة المالكية والحنبلية، أو مضيق لكل ذلك مثل السادة الشافعية. وهناك من هم في منزلة وسطى بين هؤلاء وأولئك مثل السادة الحنفية وليس من العسير على متخصص الفقه وأصوله كذلك أن يتتبع «السردية الفقهية في أصول هذه القاعدة وفروعها، ويتعقب علاقاتها بغيرها من القواعد والنظريات وخصوصاً «درء المفسدة وجلب المصلحة»، و «الاحتياط»، وغيرهما من قواعد ونظريات أسهب فيها هؤلاء القوم على تنوع مذاهبهم، وتباين أصولهم وفروعهم ومواقفهم ما بين مجدّد ومقلد؛ وإن كان هذا التتبع يحتاج منه ـ وأولى من غيره - إلى كثير من التعب والصبر وطول النفس.

ما بحثت عنه في هذا الموضوع هو ((مادة» أستطيع الإسهام بها؛ ليس في بناء «علم الفقه» بأصوله أو فروعه، فهذا له علماؤه ومتخصصوه ولست منهم؛ وإنما في بناء «علم اجتماع الفقه الإسلامي»؛ فهذا هو العلم الغائب والأهم والأخطر هو أن غيابه نادراً ما يستشعر أحد؛ فقده وخصوصاً من أهل الإفتاء والاجتهاد والمفترض أنهم هم الأكثر حاجة إلي نتائجه، وأن يكونوا الأحرص على تحصيل فوائده.

هناك بعض الجهود والمقدمات والسوابق البحثية الجادة التي لا غنى لنا عنها في سبيل جبر ذلك النقص، وسد هذا الثغر. وأذكر منها هنا مثالين أو ثلاثة:

أئمة الفقه

أولى تلك السوابق البحثية الجادة هو ما كتبه الشيخ أبو زهرة في الخمسينات والستينات من القرن الرابع عشر الهجري الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين الميلادي) عن وهم: أبو حنيفة، ومالك، وابن حنبل، والشافعي، وابن تيمية وابن حزم، وزيد، والصادق. وأهم ما يلفت النظر في تلك السلسلة هو منهجها الجديد لذي اختطه الشيخ أبو زهرة في تناوله للسيرة الاجتماعية والعلمية مربوطة بمعطيات البيئة التي عاشها كل منهم؛ على نحو يقترب من منهجية علم اجتماع (المعرفة وللشيخ رحمه الله قصب السبق في فتح باب هذا النوع من الدراسات بلغة معاصرة ونسق واضح. ولعله تبارى في هذا المضمار مع معاصريه من أمثال عباس العقاد ومحمد حسين هيكل في الكتابة عن الشخصيات الكبيرة في التاريخ الإسلامي بمنهجية اجتماعية تاريخية جديدة، فنسج سلسلته الرائعة عن الأئمة الثمانية. ثم من بعده جاء عبد الرحمن الشرقاوي الذي اختصر ما قدمه وزاد عليه شيئاً في كتابه أئمة الفقه التسعة، ولكنه كانت له في كتابته وجهة أخرى غير وجهة الشيخ أبي زهرة.

(1) صدرت سلسلة «أئمة الفقه للشيخ أبي زهرة في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وأعيد طبعها مرات من دار الفكر العربي بالقاهرة.

(2) عبد الرحمن الشرقاوي، أئمة الفقه التسعة القاهرة، دار الشروق، 2010) ..