شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

أركان الدين

37 ارْضَ وَفَوِّضُ وَسَلّمْ وَالكل فبذا تَحُوزُ أَرْكَانَهُ اللاتي بِهَا كَمُلا

الأَرْكَانُ جَمْعُ رُكْنٍ، وَهُوَ الدَّعَامَةُ، وَهِيَ أَقْوَى مَا فِي البِنَاءِ.

وَفِي هَذَا تَشْبِية لِلدِّين ببناء لَهُ دَعَائِمُ مَتِينَةٌ، وَإِنَّمَا عُدَّتْ هَذِهِ أَرْكَانَ الدِّينِ لأَنَّهَا الجَانِبُ القَوِيُّ مِنْهُ، فَمَنِ اسْتَجْمَعَهَا فَقَدْ حَازَ الدِّينَ بِحَذَافِيرِهِ، لَأَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ إِلَّا فِي نَفْسٍ مَنْ أَخْلَصِ اللَّهِ تَعَالَى عُبُودِيَّتَهُ، وَتَجَرَّدَ مِنْ هَوَى نَفْسِهِ وَتَحَكُمَ فِي وَسَاوِسِهَا وَأَرْكَانُ الدِّينِ هِيَ: الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَتَسْلِيمُ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَتَقْوِيضُ كُلِّ شَيْءٍ

لَهُ، وَالتَّوَكُلُ عَلَيْهِ فَالرّضا بقضائه هُوَ قَبُولُ كُلّ ما يأتي مِنْ لَدُنْهُ مِنْ أَمْرِ أَوْ نَهْيِ، أَوْ سَراءَ أَوْ

ضراء، بحيث لا تحدُ النَّفْسُ حَرَحًا قط وهي تستجيب لداعي الله يفعل ما أَمَرَ وَتَرَكَ مَا بِحَيْثُ تَجِدُ

بِفِعْلِ

نَهَى، وَتَتَفَاعَلُ مَعَ سُنَنِ الْحَيَاةِ، مُوقِنَةً أَنْ كُلِّ مَا أَصَابَهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ

وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الأَنْزَانِ وَالثَّبَاتِ أَمَامَ تَحَدِّيَاتِ الدَّهْرِ وَصُرُوفِ الزَّمَنِ، فَلَا تَجْزَعُ لِضَرَّاءَ

وَلَا تَسْتَفِرُّهَا النَّعْمَاءُ

شَيْءٍ.

والتسليم هُوَ الألْقِيَادُ وَالإذْعَانُ لَهُ تَعَالَى، مَعَ الخُضُوع وَعَدَمِ الاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ

وَالتَّفْوِيضُ هُوَ الرِّضَا بِخِيَرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، لَأَنَّهُ الْعَالِمُ بِمَصَالِحِ حَلْقِهِ. وَالتَّوَكَّلُ عَلَى اللهِ هُوَ الثَّقَةُ بِهِ وَبِمَا عِنْدَهُ، وَعَدَمُ الاعْتِمَادِ عَلَى مَا عِنْدَ

،

النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق /3]. وَلا يَعْني ذَلِكَ إِعْمَالَ الأَسْبَابِ وَعَدَمَ الأَخذ بِهَا، فَإِنْ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ التَّوَكَّلِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَجْرٌ وَجَهْلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ وَلا نَاطَ الْأُمُورَ بِأَسْبَابِهَا، وَأَمَرَ بِالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ وَالابْتِغَاءِ مِنْ فَضْله، وَهُوَ مِنَ الأخذ بالأسباب، كَمَا أَمَرَ فِي الحُرُوبِ بِأَحْدِ الحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ وَإِعْدَادِ

99