شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١١١

مسالك الدين

38 ثُمَّ الهُورُ وَدَفَع وَالشِّرَاء مَعَ الـ كتْمَانِ طُرْقَ لَهُ، أَكْرِمْ بِهَا سُبُلا

الْمَسَالِكُ جَمْعُ مَسْلَك؛ وهو الطَّرِيقُ، وإِنَّما عبر عن هذه الحالات بالمسالك لأنها طُرُق يسلكها المسلمون - حَسْبَ مُلاءَمَة الظروف وتَهَيُّو الأَسْبَابِ – إلى ما يبغونه

من الحق والرشد وإقامة نظام الدين.

وهذا لأن الْمُسْلِمَ لا يُكْتَفَى منه بإصلاح نفسه، وإنَّما هو مسؤول عن إصلاح مجتمعه وأمته، وبهذا ينتظم شَمْلُ المسلمين وتمتد بينهم أواصر الولاية، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة /71]. ولا بُدَّ من مراعاة تفاوت الأحوال وتباين الظروف، وما ينشأ عن ذلك من اختلاف الْمُلاءَمَات للقيام بهذا الواجب، فما يَحِبُّ إِيَّانَ القوة ليس كالذي يَحِبُّ فسي فترات الضعف، ومن المعلوم أن الإسلام دين ونظام، ولذلك يُبَوِّى كُلِّ أَمْرٍ مُبَوَّاهُ، ويُعطي كل شيءٍ ما يلائمه من الأحكام، وقد بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم جَامعًا للشتات ومُوَحِدًا للصف، ولكنه – عليه أفضل الصلاة والسلام - لَمْ يكن شأنه وشأنُ أصحابه في مكة وهُمْ يُواحِهُونَ عَسنَتَ الكُفْرِ وكبرياء الجاهلية كما كان شأنه وشأنهم بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى المدينة المنورة، حيث نَبَتَتْ أوَّلُ دولة للإسلام في عهده - عليه الصلاة والسلام - وأَخَذَتْ تَبْسُقُ دَوْحَتُها وتَمْتَدُّ فُروعُها، لِنظِلٍّ بِظُلْهَا الْوَارِفِ الظَّلِيلِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَلِتُؤْوِي إِلَى رِحَابِهَا الآمَنَةِ كُلِّ مُسْتَضْعَف

ولا ريب أن ما أسسه وبناه من نظام ديني ليس نظامًا وقتِيًّا، بل هو شامل لكل الأطوار والعصور إلى أن يُرث الله الأرض وَمَنْ عليها، رَغْمَ أَن عَوَادِي الزَّمَنِ وصُروف الدهر متقلبة بين مُلائمة ومُعاكسة، فإن رياح الأحداث منها الصَّبَا الْمُنْعِشُ،

102